‏ذكرى شهداء أيار قيم الاجداد لا تمحوها رياح الظلم

معين حمد العماطوري
‏لا ينبغي ان يمر السادس من ايار دون ان يستذكر السوريون المجازر التي لحق بثوارهم الشهداء قبل اكثر من قرن من الزمن، ذلك ان الذاكره الوطنيه الجمعيه التي لم ينتزع منها الجرائم والاعدامات والتنكيل والاستبداد الجائر، هي ركيزة لاحداث داميه مست بهويه الانسان العربي عامه والسوريه خاصه....
‏لذلك قد يصعب على كل حر شريف ان يجعل من عوامل الزمن والواقع بما يحمل من أحداث جسام ان تمحوه زخارف السياسة وغطرسة رجالها على الشعوب....
‏اذ يعتبر يوم السادس من ايار عام ١٩١٦ امتدادا لارادة واقعيه سياسيه اجتماعيه، حملت معها قيم الماضي التليد لبطولات رجال احرار ارادوا ان ينتزعوا من الذهنية الساكنة دوافع الخوف نحو الثأر والكرامة والوقوف على تحصيل الحقوق والمآثر، لان القارىء للاعمال البطولية واحداث تلك الحقبة الزمنية يشعر بقيمة الشهادة والشهداء، ودم كل شهيد هو وحدة تنوع لثقافة سورية وطنية، والدليل ان شهداء عام ١٩١١ جاؤوا ردا على الثقافه السياسيه التطرفيه قبل قرن ونيف الى اليوم، وفرضت مواقفهم الشجاعة وايمانهم الوطني ترسيخ جذورهم الاصيلة....
‏لذا يصعب على الذهنية الواقعية مسح الوجدان الوطني بسهولة ويسر عبر فرض سياسة الامر الواقع، الذي يطرح اليوم (من كان بالامس عدوا بات اليوم صديقا)...
‏لكن الحقيقه ان تلك المعطيات والافكار تجسد قيم الانتماء، وترنو نحو المجازر التي قام بها جمال باشا السفاح وقبله سامي الفاروقي بحق ابناء الوطن عامة والجبل خاصة لتكون امتداد لاحقاد ماضية دفينة تظهر بين الحين والاخر في اماكن متنوعة من بلادنا.
‏يعود الى المشهد الوجداني الوطني يوم الرابع عشر من اذار وقبله الحادي عشر من نفس الشهر ليشهد اعدام ثله من الوطنيين الاحرار عام ١٩١١ عندما صعدوا على خشبة اعواد السفاح وهم يهزجون اهازيج لقاء الرب الكريم، هم مجموعه من الثوار الاماجد الذي كان جرمهم الجهاد لنيل الاستقلال والحريه من الاستعمار العثماني الجاثم اربعة قرون ونيف على صدر وطنهم، هؤلاء هم ذوقان الاطرش والد سلطان باشا الاطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين وقبلها ضد العثمانيين، ويحيى ومزيد عامر ومحمد القلعاني والشيخ ابو هلال هزاع عز الدين وحمد المغوش وغيرهم.
‏وقفوا على اعواد المشانق رافعي الهامات شامخين واثقين من رسالتهم الوطنية وانتماءهم العربق ان طريقهم نحو السمو والارتقاء العرفاني....
‏وصل اليهم الملقن وكان الحكم سينفذ بالشيخ هزاع عز الدين وجده يقرأ ايات من القران الكريم..
‏استذكر الملقن وهو شيخ سني معروف انه من اجداد مفتى سوريا في القرن الماضي كفتارو، ما فعله حامد بن العباس بالحلاج حينما صلبه وأعدمه لكنه وجده يقول كما يقول هزاع الدين: "اللهم لو كشفت لهم ما كشفت لي لصعقوا فاللهم سامحني وسامحهم" هذه هي اخلاق وقيم اهل الصلاح والتقى اهل المعارف والورع والزهد من بني معروف الاكارم، وليس الافتاء بالجور والقتل والسبي، ونشر الاحقاد بين الاطياف....
‏ردد الملقن السني مخاطبا الثوار عامة والشيخ الحلبي خاصة قائلا: "وحق الكعبة انكم مظلومون انكم مسلمون موحدون حقا"...
‏وما ان نفذ حكم الاعدام حتى انشد شاعر قائلا:
‏اكرم بحبل غدا للعرب رابطة
‏وعقدة وحدت للعرب معتقدا.
‏ان عقدة احبال المشنقة التي لفت على اعناق الابطال هي من وحد العرب يومها ودفعت بكرامة الانتماء ليكون جذور الثقافة الوجدانية الباقية...
‏لن يمر السادس من ايار ولو كره الكارهون دون ان نستذكر مجازر جمال باشا السفاح وسامي الفاروقي وغيرهم من المستبدين الظلام في تاريخ سوريتنا عامة وجبلنا خاصة....

‏وان الارهاب والتطرف الذي هو جزء من تاريخهم القذر لن يعبر عن كرامة وثقافة اهلنا برؤيته الثاقبة، وستبقى دماء شهداء الجبل عام ١٩١١ نبراس ومشعل الحرية في وجه الاستبداد والطغيان حتى تحقيق الاستقلال.