ذكريات مع أمي من زمن الرعب
يوسف هوشة
في العام ١٩٨٠ وبعد ملاحقة والدي، كنت حينها في السابعة من عمري.
تمت مداهمة منزلنا لمرات كثيرة بالرغم من اختلاف شكل المداهمة تبعاً للظرف وللغرض منها، وكلها مرت في ذاكرتي مرور الكرام، حتى أنني لم أعد أذكر أي تفصيل من تفاصيلها، ما عدا مداهمة واحدة بقيت عالقة في ذهني وكأنها حدثت البارحة.
حينما استيقظنا في الساعة الثالثة صباحاً على قرع همجي على باب بيتنا كان كفيلاً لإيقاظ الحي بأكمله.
كانت تعليمات والدتي لي ولأختي واضحة وحازمة (ما حدا منكن بيتحرك من تخته شو ما صار) وذهبت وفتحت الباب.
حقيقة لا أدري تماماً تفاصيل ما حدث في الخارج، ولكني سمعت صوت والدتي تقول لهم هنا غرفة الأولاد ياريت تدخل لوحدك، وهذا ما كان قد حدث فعلاً في مداهمة الليلة السابقة، ولكن ما كان منه إلا أن دفعها ودخل هو وعدد كبير من العناصر، وبحوذتهم كمية من السلاح كانت تكفي لتحرير الجولان.
بعد تنكيله بالغرفة بغاية الحقد والتخريب والإنتقام وليس البحث عن شيء محدد فهو يعلم أنه لن بجد شيئاً، اقترب مني شاهراً سلاحه وخاطب والدتي:
- هادا ابنه.. اي نعم أجابت والدتي
- شو اسمو؟
يوسف..
- يوسف!!؟ وليش مالو مسمي لينين؟
والدتي تجيب: الولد الجاية انشاالله.
وخرج من غرفتنا غاضباً، آمراً عناصره بمصادرة مكتبة والدي الضخمة، تلك المكتبة التي كانت بالنسبة لوالدي أغلى وأثمن ما يملك.
هذا الضابط لم يكن إلّا "نواف الفارس" رئيس شعبة الأمن السياسي في اللاذقية حينها.
ومناسبة هذا البوست هو توجيه التحية لأغلى إنسان في حياتي، لوالدتي بمناسبة ذكرى ميلادها، نعم لوالدتي التي أعبد، والدتي التي رحلت ولم أتمكن من مسح جبينها.. لم أتمكن من تقبيل وجنتيها.. لم أتمكن من وضع رأسي على صدرها، أو الهمس في أذنها بضع من كلمات شكر على صبرها وتفانيها. شكراً على كل شيء يا أمي.