"ذكرى سقوط نظام الأسد" لحظة مراجعة تاريخية وبناء رؤية وطنية جديد
أمجد إسماعيل الآغا
ذكرى سقوط نظام الأسد ليست مجرد تاريخ عابر في ذاكرة السوريين، بل تمثل محطة مفصلية لاستدعاء المراجعات العميقة وإعادة ضبط مسارات الدولة والمجتمع، فـ أربعة عشر عاماً من السيطرة الصارمة وعقود من الحكم المتصلب، خلقت حالة مركبة من التراكمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحتم الوقوف عندها بحذر وموضوعية، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الرغبات الطوباوية.
المشهد السوري عقب سقوط النظام يفتح آفاقاً متعددة؛ وهو بمثابة فرصة نادرة تتطلب من السوريين إعادة حساباتهم بواقعية وعقلانية، لا لإعادة إنتاج تجارب ماضية فاشلة، بل لاستلهامها وتوظيفها ضمن استراتيجية شاملة لبناء سورية الجديدة، خاصة أن مسار الإصلاح السياسي بدأ يتبلور بوضوح، والذي يقتضي الانتقال من نظام مُركز إلى نظام تشاركي قائم على المساواة والشراكة الحقيقية بين كافة مكونات المجتمع السوري، وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا بفهم عميق لجذور الأزمة وطبيعة التجربة الاستبدادية التي حكمت سورية.
إعادة تقييم المسار السياسي الذي امتد لما قبل سقوط نظام الأسد، يعني التفكير الجدي في أسباب الانهيارات التنموية والمؤسساتية، وقراءة دقيقة لدور الفوارق البنيوية مثل غياب العدالة الاجتماعية وتكرار سياسات الإقصاء والهيمنة الطائفية والقبلية التي كانت منعرجات قاتلة لمسيرة الدولة الوطنية؛ نتيجة لذلك فإن عدم معالجة هذه الجذور بشكل جدي سوف يُعيد إنتاج نفس الأزمنة السياسية المشوهة التي أدت إلى الانفجار الاجتماعي والسياسي.
هذه الذكرى تحمل في طياتها أيضاً درساً مهماً، إذ لا يمكن بناء سورية عبر الأحادية أو الإقصاء، بل عبر التشارك الذي يستوعب التنوع السياسي والطائفي والمناطقي، وهذا يعني إعادة تأسيس مشهد سياسي وتأسيسي جديد يستند إلى مبدأ المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان والإدارة اللامركزية.
مقاربة الماضي يجب أن تتجاوز السرديات الثنائية، وتمضي باتجاه توظيف التجارب التاريخية وعبرها صياغة نموذج حكم قائم على المؤسسات لا الأفراد، ومرتكز على القانون وليس على السلطة المطلقة، فالنظر إلى هذه الذكرى كفرصة لاستعادة ذاكرة سياسية موضوعية معافاة من التسييس المغلوط هو ما يؤهل السوريين لأن يبنوا واقعهم الجديد على قاعدة شرعية توافقية.
في هذا السياق، يبرز التحدي الأكبر في بناء إرادة وطنية جامعة تتفاعل مع خصوصيات اللحظة الراهنة دون أن تغفل الديناميات الإقليمية والدولية المحيطة بسورية، التي لن تُفرط في تأثيرها على مستقبل القرار السياسي. لذا، فإن الوعي بجذر الأزمة سيوازيه وعي بالضرورة في التعامل مع الملفات الاقتصادية والأمنية والإصلاح الإداري كجبهات متوازية ولكن مترابطة، تكرس أهداف الإصلاح السياسي والتحديث.
باختصار، سقوط نظام الأسد ليس نهاية الجدلية السورية بل عتبة لبداية جديدة قائمة على مراجعة المبادئ والأسس التي قامت عليها الدولة السابقة، وفتح حوار وطني واسع لإعادة بناء سورية عبر تصور يجمع بين دروس الماضي الواعي ومتطلبات الحاضر الطموح، في إطار مشروع سياسي متكامل يعكس رغبة السوريين في الحرية والعدالة والكرامة.