عندما يُحرق العقل.. جريمة تدمير مكتبة جامعية في غزة

قلم: محمد نور عثمان- جزر القمر

في عالمٍ يدّعي أن الكلمة أقوى من الرصاص، نرى الرصاص يطارد الكلمة حتى داخل جدران الجامعات. في غزة، لم يكن استهداف مكتبة جامعية مجرد خسارة مادية. لقد كان إعلانًا صارخًا بأن العقل نفسه لم يعُد آمنًا، وأن المعرفة باتت هدفًا في زمن تتراجع فيه الإنسانية.

تدمير مكتبة عامة في مؤسسة جامعية، حيث يلجأ إليها الطلاب والأساتذة والعقول الباحثة، هو فعل لا يمكن النظر إليه إلا كجريمة ضد الوعي. هناك، وسط الرفوف التي كانت تمتلئ بأعمال الفلاسفة، والمفكرين، واللغويين، احترقت أفكار لم تُترجم بعد، وأحلام لم تُكتب بالكامل، ومشاريع بحث كانت ستغير حياة أصحابها وربما مجتمعات بأكملها.

المكتبة ليست مجرد بناء. إنها عقل جماعي، خزينة الذاكرة، مرآة تطور المجتمعات، وأداة تحرر الأفراد من الجهل والخضوع. عندما تُحرق، فإن ذلك ليس فقط تدميرًا للماضي، بل هو اعتداء على المستقبل.

الكتاب كرمز مقاومة

منذ الأزل، كان الكتاب رمزًا للمقاومة. عندما احتُلت الأندلس، أُحرقت المكتبات. وعندما صعدت النازية، بدأت بحرق الكتب قبل أن تحرق البشر. واليوم، في غزة، يتكرر المشهد ذاته: تدمير المعرفة كتمهيد لإسكات صوت أصحابها. فالفكر الحر أخطر على الاحتلال من أي سلاح.

طلاب غزة، المحاصرون منذ الطفولة، كانوا يركضون إلى المكتبات لا إلى الملاجئ. كانوا يحلمون بالدرجات العليا، لا بالهجرة أو النجاة. وبينما يحمل غيرهم في العالم أجهزة لوحية حديثة، كانوا يحملون كتبًا مستعملة، مكدّسة بالأمل. اليوم، حُرموا حتى من ذلك.

السكوت خيانة

المجتمع الدولي كثيرًا ما يرفع شعارات "حماية التعليم في مناطق النزاع"، و"أهمية الثقافة من أجل السلام"، و"الحق في الوصول إلى المعرفة". أين هذه الشعارات الآن؟ أين الأمم المتحدة، اليونسكو، الاتحادات الجامعية الأوروبية والأمريكية؟ هل أصبحت هذه المبادئ انتقائية، تُطبّق فقط على مجتمعات معيّنة دون غيرها؟

السكوت عن جريمة حرق مكتبة جامعية ليس حيادًا، بل خيانة. خيانة للضمير الإنساني، وللقيم التي بنيت عليها الجامعات والمؤسسات الثقافية حول العالم. خيانة لكل من آمن بأن العلم هو السبيل إلى الحرية، وأن المعرفة هي الجدار الأخير أمام القمع والتجهيل.

من تحت الرماد تولد الكلمات

من جديد نعم، لقد احترقت المكتبة. لكن لا يمكن لحريق أن يُطفئ نور الفكر. الكلمة لا تموت. ستولد من جديد على ألسنة طلاب يكتبون من ذاكرة الألم، وعلى دفاتر تخرج من تحت الركام، وعلى جدران أعادت بناءها الأيدي التي لا تعرف اليأس.

غزة، رغم الدمار، ما زالت تُنجب العلماء والشعراء، ما زالت تُخرّج الأطباء والمهندسين، وما زالت جامعاتها تصرّ على أن تكون. لا القصف، ولا الحصار، ولا خذلان العالم، استطاع أن يوقف المسيرة الأكاديمية لهذا الشعب الصامد.

إننا لا نكتب هذا النص فقط من باب التضامن، بل من باب الواجب. لأن الصمت على احتراق كتاب، يُمهّد الطريق لاحتراق كل ما تبقى من ضمير.