سنيات ـ الجزء ٢

خالد نعمة

من هو الأخطر يا ترى؟
ذات يوم غابر، نظر والدي في عينيَّ وكأنه يقرأ مستقبلنا عبرهما، بينما تمتمت شفتاه: يا بني! لتجدن أشد العداوة من رفيق اختلفت وإياه على المسار.
خلال شهر تشرين الأول من العام ٢٠١٢ ساقتني المقادير وإرادتي وبرفقتي صديقي وزميلي العزيز (خضر شويخ) لنقضي أسبوعين بالتمام و الكمال وعلى فترتين منفصلتين في ربوع حقل الجفرا النفطي بعد أن استولت عليه جبهة النصرة، التي كانت ما تزال في بدايات تشكلها ونشاطها.
وكنا ضمن بضعة عاملين تابعوا تسيير عمل منشآت شركة دير الزور للنفط هناك بينما عشرات كثيرة من مسلحي الجبهة، الذين استولوا على المنطقة يحيطون بنا من كل صوب وحدب.
وليس لكم بالطويل سيرة، لذلك سوف أذكر لكم حادثة كنت طرفاً فيها وشاهداً، تماماً مثل الصديق والزميل العزيز (خضر شويخ) ابن دير الزور الغالية على قلبي.
كنت أجلس في ورشة الاتصالات في طرف من الحقل، حيث مكتبي الذي أشرف منه على تجهيزات قسمنا، عندما دخل عليًَ أحد عناصر الجبهة مدججاً بالأسلحة من رأسه إلى قدميه ومزنراً بحزام ناسف، وهو من ضمن قيادة المجموعة التي سيطرت على الحقل، وعرف بنفسه بأنه (أبو ذر الموصلي)، وجلس قبالتي موحياً لي بأن جلستنا ستطول.
حضرت شاياً وضيفته، وكانت الضيافة مدخل لحديث طويل دار بيني وبينه، فقد جاء الرجل ليهديني إلى الصراط المستقيم بالحسنى، ولا أنكر أنه كان لطيفاً في الكلام معي وطويل البال أمام حججي المفحمة، وقد فهمت منه أنه عراقي وذكر وحيد لأهله على ستة أخوات، كما أنه متزوج، ولم ينجب إلا البنات، وكان المشترك الذي انطلقنا منه اسم (أبو ذر)، فقد سبق لي أن تكنيت شخصياً باسم (أبو ذر المشتاوي) في عملي الحزبي، وهناك كتابات لي نشرت تحت هذا الاسم.
بعد بعض الوقت من جلوسنا نحن الاثنين وحدنا، جاء إلى الورشة زميلي خضر ليطمئن عليَّ في عزلتي، إذ إنه كان يعد نفسه مسؤولاً عن سلامتي في تلك الفترة العصيبة التي انقطعت فيها اتصالاتنا في دير الزور لأسباب عديدة، ولأنه وجد الموصليَّ في مكتبي، فقد قرر أن يبقى معنا كي لا أكون وحدي معه، وبسبب وجوده وإنصاته للحديث الجاري، صار لزاماً أن يكون مشاركاً فيه.
وفجأة تحول اتجاه الحوار، وبدلاً من أن يكون بيني وبين المسلح النصراوي، وإذ به يصير بينه وبين خضر، فيعلو صوتاهما ويشتد، ويصبح أشبه بالمشادة الكلامية الحامية، التي خفت أن تكون خاتمتها وخيمة واستخدام سلاح ضد خضر ذاته، فقد قال الموصلي أبو ذر للديري خضر:
(صاحبك كافر أصلي، أما أنت فمرتد. وأنت أخطر علينا منه، وقتلك واجب شرعي).
وهنا تدخلت أنا لأهدئ الطرفين، قبل أن يحدث ما لا إصلاح بعده.
والمغزى: أن الصراع الحقيقي في سوريا لم يبدأ بعد، وطرفاه سيكونان: أغلبية مسلمة سنية معتدلة التوجه وسطية التدين ومسالمة، وأقلية متشددة مغالية في تطرفها لا تفهم إلا لغة البطش والقوة، ولا تعمل إلا بها.
إن كنتم لا تصدقوني، فعليكم بفيديوهات المدعو (أنس الهبرة)، كي تروا واحداً من أدلة على ما أقول.