الشعب السوري المعتر يبحث عن مسيح
فادي الياس نصار- فينكس
عندما قام رئيس فنزويلا السابق، القائد هوجو تشافيز، في عام 2009 بإهداء نسخة من كتاب العبقري الأورغوايي "ادواردو غاليانو"، “الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية” باللغة الإسبانية، الى الرئيس الأميركي الأسبق "باراك أوباما"، كان يعلم أن أوباما لا يجيد الإسبانية، وأن الحكام في البيت الأبيض، يكرهون غاليانو، لأنه فضحَ في كتابه “أبناء الأيام” دور الدول الرأسمالية بما فيها بلادهم، في تدمير الحياة الطبيعية على الكوكب، حيث قال: ”إنهم يتحدّثون عن كوارث طبيعية كما لو أنّ الطبيعة قد أصبحت جلاّداً” وليس ضحيتهم، إنهم لا يحافظون عليها بل يسلبونها حقوقها. ويتابع موجهاً كلامه الى الولايات المتحدة الاميركية بالذات قائلاً: “لو كانت الطبيعة مصرفاً أو بنكاً لكانوا قد عملوا على إنقاذها“.
الكتاب الهدية “الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية” يحمل في طياته الى حدٍ كبيرٍ مقاربة حقيقية بين الإستعمار الإسباني لقارة أميركا الجنوبية، وما جرى ويجري اليوم في سوريا، ففي الفصل الأول من الكتاب، يذكر الكاتب أن الغزاة الإسبان، وبحجة نقل الحضارة الى الهنود الحمر (المايا، الإنكا والأزتيك) دمَّروا الطبيعة الأم في طول القارة وعرضها، فيقول: لقد كان السُكر مادةً نادرةً في ذلك الوقت، الأمر الذي جعله سلعة ثمينة جداً، ما حدا بالغزاة إلى زراعته بكثافة في الأراضي الخصبة لأميركا اللاتينية، وتم جلب العبيد من المستعمرات الإفريقية ليعملوا في المزارع المخصصة له، الأمر الذي أفقد التربة خصوبتها وأنهكها وساعد على انتشار التصحّر. كذلك تماماً دمرت الحرب التنوع البيئي والحياة الطبيعية الغنية في سوريا، فأحرق الرعاع الإرهابيون غاباتنا، ولوّثوا مياهنا وهواءنا وتربتنا بكل أشكال التلوث، ودمّروا الموائل الطبيعية للحيوانات، ومخازن الأصول الوراثية (إيكاردا مثالاً)، ومن بعدهم جاء الفقر، فأجبر الناس على التحطيب والتفحيم (برعاية وغطاء من الشبيحة)، فأبيدت غابات عن بكرة أبيها، و تمت خصخصة الشاطىء السوري، وأُنهك الفلاح، وتراجعت تربية الماشي.
وعن نهب الغزاة الإسبان ثروات القارة الجديدة، يقول غاليانو في كتابه ذاك: إن كنيسة القديس بطرس بُنيت من ذهبِ الهنود الحمر، وقد وصل الأمر بالجنود المستعمرين الإسبان أن يصنعوا حدوات (جمع كلمة حدوة وهي قطعة المعدن التي توضع أسفل حافر الحصان) أحصنتهم من الفضة، ويأكلوا بملاعق مصنوعة من ذهبٍ جيء به من جبال الأنديز، بعد أن قهروا شعوبه الأصلية، وأبادوها، ومثلهم أيضاً نهبت داعش و أخواتها، بالتعاون مع الدول الإستعمارية، ثروات الشمال السوري (النفط والأقماح والأقطان.. المصانع والمشافي والأثار.. إلخ)، في حين أكمل تجار مابعد الحرب، نهب ماتبقى في كل البلاد، بالتواطؤ مع أساطين الفساد، من سماسرة وموظفين حكوميين، وحيتان المال.
وكما قتل، وأحرّق وهجّر رجال كولومبوس أبناء الهنود الحمر الطيبين، وأدت فتوحاتهم تلك الى إنتشار الأمراض السارية المميتة، كذلك فعل أعداء سوريا، من تجار الأزمات، فهجّروا ولايزالون ملايين الشباب السوري من خيرة العقول والخبرات و الأيدي العاملة، ومن مختلف الأديان والقوميات وخاصةً الأقليات منهم (سريان، أشور، كلدان، أكراد، أيزيدين وشركس) محاولين محو أي أثر لحضاراتهم العريقة!
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، يتشعب الى مئة سؤال واستفسار، أولها يأتي بصوت المقهورين من فقراء الشعب: ماذا فعلت الحكومات المتعاقبة، لمواجهة كل هذه الضربات الوحشية التي تلقاها المواطن السوري؟ لم تفعل شيئاً، لابل تراجع أداء وزارة الإعلام الى مادون الوسط! وقامت وزارة التربية بتمييع و إفراغ المناهج التعليمية من جوهرها الحقيقي! فيما لم تُحرك وزارة الصناعة ساكناً، لإعادة الحياة الى معامل كانت ذات يوم، عصباً من أعصاب الإقتصاد الوطني (معمل سكر تل سلحب، معمل اأجبان واألبان حمص، معمل الكونسروة، معمل أقلام الرصاص،الإطارات، البورسلان...الخ).... وماذا فعلت وزارة الزراعة، السياحة، الإقتصاد، المالية والأهم ماذا فعلت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، (مرت أبوه للمواطن السوري)، صاحبة القرارات الساحقة الماحقة؟ ماذا فعلتم للشعب الصامد، أو الذي تريدون منه أن يصمد؟ ماذا فعلتم للمواطن الذي ضحى بفلذة كبده في سبيل الوطن؟ ماذا قدمتم للمواطن الذي فقد بيته، عمله وجنى عمره، ورفض الهروب والسفر (غير السلل الغذائية، نوع من الشحادة)؟ الخطوة، الوحيدة التي اتخذتموها، بحق العامل الكادح والفلاح المعتر، هي أنكم همشتم دور نقابات العمال، واتحاد الفلاحين! إن لم يكن لديكم أجوبة عملية بعيداً عن الخطب الرنانة، فاتركونا و ارحلو، يكفي المواطن السوري أنه يموت في اليوم ألف موتة، قهراً وهماً وإذلالاً. اليوم سوريا تحتاج الى قيامة حقيقية وفقراء الشعب السوري، يبحثون عن مسيح يخلصهم، ويصلبهم على صليب حقيقي، حيث لا وجع ولا حزن... فهل من مخلص، يمسح جراحنا؟