عندما يرسم غيرنا المشهد الإعلامي الذي لا يشبهنا..!

يونس خلف - فينكس

حضرت فعالية لجمعية من الجمعيات التي انتشرت بعد الحرب، وأصبحت بالمئات، وهذه الجمعية يطلق عليها تصنيف مؤسسة تنموية غير ربحية...
الفعالية تناولت تقريراً بحثياً حول احتياجات الإعلاميين والإعلاميات، واللافت في وقائع الفعالية، وأيضاً في المحتوى الموجود في موقعها الإلكتروني، بعض المصطلحات والمعلومات والأفكار التي تستوجب التأمل والتفكير والتفسير، ولذلك من موقع عملي الإعلامي والنقابي ومسؤوليتي وحقي في التعبير عن الرأي وتصويب ما أرى أنه خطأ لا بد من تسجيل النقاط التي استوقفتني:
أولاً: أستغرب أن يتكرر لدى البعض من الجهات أو الجمعيات أو حتى الأفراد مصطلح أو عبارة (المناطق التي تقع تحت سيطرة الدولة) أو (مناطق تسيطر عليها الدولة)، وكأن المناطق كلها ليست للدولة بينما هي تسيطر عليها! والصحيح أن الاحتلال أو المجموعات الإرهابية هي التي تسيطر على بعض مناطق الدولة. و رغم أن هذه العبارة تتكرر، لكن وكأننا أمام جهات معنية بالمتابعة والتصويب لا تقرأ و لا تتابع.
ثانياً: الفعالية تناولت واقع الإعلام السوري وما أطلقت عليه (تقريراً بحثياً) حول احتياجات الإعلاميين والإعلاميات، وأهم التحديات التي تواجه العمل الإعلامي والمأمول من النشاط الإعلامي، وهنا لا نتجاهل أهمية مثل هذه المبادرة من إحدى مؤسسات المجتمع المدني لتوسيع وتعزيز ثقافة الحوار والمشاركة في تطوير وتفعيل العمل في أي قطاع ثقافي أو إعلامي أو تنموي، إلّا أن السؤال المشروع هو حول أثر و جدوى مثل هذا النشاط، لاسيما عندما لا يأتي بأي جديد. ولا يسهم في تجاوز أو حل أي مشكلة قديمة ومعروفة لدى الجميع، لا سيما أن التحديات والصعوبات التي يعاني منها الإعلام معروفة واحتياجات الإعلاميين واضحة لدى كل من يهمهم الأمر، بدءاً من حق الحصول على المعلومة مروراً بحرية التعبير والإشكالات التي تواجه السياسة الإعلامية في كل وسيلة إعلامية والتدخلات من خارج الجسد الإعلامي، وصولاً إلى الظروف المعيشية الصعبة للإعلاميين وعدم الاعتراف بطبيعة العمل الصحفي وما تستحقه من تعويض، إلى دفع الصحفيين إلى المحاكم دون ضوابط محددة بعد قانون الجريمة الإلكترونية. وبالتالي مثل هذه القضايا المزمنة حفظناها كما نحفظ أسماءنا وتتكرر في مؤتمرات الصحفيين ومقالاتهم المستمرة. فما الجديد الذي يمكن أن يقدمه غيرنا تحت عنوان مبادرة.
ثالثاً: أرجو أن يساعدني أحد على تفسير العبارة التالية الواردة في تقرير منشور في الموقع الإلكتروني لهذه المؤسسة حيث جاء حرفياً:
(عندما ندعو لصحافة السلام من قلب الكراهية المنتشرة لابد أن نقف عند خصوصية كل منطقة في سورية واحتياجات العاملين/ات في الإعلام فيها لنعرف أين ستكون البداية.)
وأكثر من ذلك استوقفني اسم قيل أنها صحفية من القامشلي تتحدث عن وضع الصحافة في منطقة عملها لتقول: (إن غالبية الصحفيين دخلوا المجال نتيجة حاجة المنطقة للعمل الإعلامي وقلة الصحفيين الأكاديميين أو المدربين على أصول المهنة وأخلاقياتها، لذلك نجد الكثير من التجاوزات المهنية وانتشار واضح لخطاب الكراهية).
ولا أدري كيف أتيح لهذه الصحفية، التي لم أعرفها بعد ولم أسمع باسمها رغم أنني من أبناء المنطقة وتجاوزت سن التقاعد في عملي الصحفي، أتيح لها وحدها من بين كل الإعلاميين المعروفين في محافظة الحسكة لترسم وحدها صورة المشهد الإعلامي في المنطقة الشرقية قائلة:
(أن الصورة المنقولة حول المجتمع السوري من كافة المناطق هي صورة نمطية متوارثة غير صحيحة كما في الصورة النمطية المأخوذة عن أبناء المناطق الشرقية.)
أيضاً استوقفني ما تم تسميته بتوصيف أو تقسيم وسائل الإعلام السورية اليوم، حيث ورد حرفياً أنه (تكاد لا توجد وسيلة تغطي جميع مناطق سورية بشكل مهني يعكس الواقع كما هو. نعيش قطيعة إعلامية منذ حوالي 10 سنوات فرضتها الحرب والسياسة).
عموماً الأمر لا يقتصر على هذه الملاحظات، وإنما يشمل أيضاً الأرقام والإحصائيات التي وردت في التقرير البحثي حول الوسائل الإعلامية المرخصة في سورية فالعدد الحقيقي أكثر بكثير جداً من الأرقام التي وردت ولا يمكن أن يكون هو الرقم الحقيقي، يضاف إلى ذلك ما ورد حول السياسات التحريرية في الصحف بأن 49% منها تعود لرؤوساء التحرير وهذا غير صحيح لسببين: الأول علينا أن نعرف أولاً إذا كانت هناك سياسة تحريرية فعلاً للصحيفة بالمعنى الحقيقي، والسبب الثاني علينا أن نعرف من يتحكم بالنشر وبرسم ملامح السياسة التحريرية وهل يستطيع أي رئيس تحرير أن ينشر ما لا يسر خاطر بعض المسؤولين في الحكومة؟
أما السؤال المهم فهو: هل ينهض الجسد الإعلامي النائم لتقوية عضلاته وتفعيل دوره وتشخيص أمراضه والسعي لعلاجها أم نترك الأمر لغيرنا ممن لا يمثل الإعلاميين ليقرر بالنيابة عنا وينشر صورة المشهد الإعلامي وفق منظوره باسم الإعلام والإعلاميين؟ بالتأكيد أهل مكة أدرى بشعابها وعلينا أن نُنحي خلافاتنا ونلتف حول هدف واحد هو الإرتقاء بالإعلام من خلال ممارسة دورنا بفاعلية أكثر وتأثير واضح، فالمهنية طوق نجاتنا الوحيد وأقصر الطرق لرفع السقف المتداعي، لقد آن الأوان لوقف معاقبة الإعلام والإعلاميين وتجاهل متطلباتهم أو ترحيلها والتريث بها وتغييب المعلومة والتعامل مع الصحفيين كأنهم مجرد جسراً للعبور أو أدوات للتلميع و إرسالهم إلى المحاكم دون ضوابط.
هذه مجرد تأملات في وقائع تحدث ونحضرها وبعضنا يصفق لها عند حضوره، لكنه بعيداً عن أصحاب الشأن يتأمل ويتحدث بصوت مرتفع. وهذه هي إحدى مصائبنا أن يكون الحديث والتأمل وحتى التعبير عن الرأي مختلفاً في العلن عن ما يقال في الخفاء. والله يسترنا من موجة الانتقادات من هولاء بعد هذا المقال.