إشغال الرأي العام...!
كتب وائل علي- فينكس:
وكأنَّ الحكومة لا يهنأ لها بال ولا يحلو لها حال إلّا بإلهاءِ الرأي العامّ وإشغالِه بما ينفع ولا ينفع، فتجعلهُ دائمَ التفكير بالتدبيرِ والتقتير، غارقاً بالمُنغّصاتِ والهُمومِ والمُشكلات لكي تجعلهُ تحتَ منسوبٍ وافٍ منَ الضّغطِ والشحنِ المُتواصل، فتراهُ لا يستفيقُ من مُعضِلة ليدخلَ في أتّونِ أخرى أعمّ وأشمَل وأدهى وهكذا...!
آخرُ هذهِ الإشغالات وأقواها تلكَ التي اشتعلت رحاها صبيحةَ الثلاثاء الماضي، والتي تمثّلت باستبعادِ العديد منَ الشرائحِ المُجتمعيّة السوريّة "أباً عن جدّ" من سلّةِ الدعم الحكوميّ الذي درجت الحُكومة على ذكرهِ وتكراره، والتهديدِ الدائم بإعادةِ النظر في حيثيّاتهِ وقطعهِ منذُ سنوات بانتظارِ اللحظةِ السّانحة تحتَ حُجَجٍ وذرائعَ كثيرة، لها أوّل وليسَ لها آخر، ما خلقَ زوبعةً منَ الرّدود الغاضِبة وسطَ ذهولٍ شعبيّ غيرِ مَسبوق منَ الجُرأة في تبنّي قرارِ الاستبعادِ وتنفيذه دونَ الالتفاتِ للظّروفِ المُحيطة، أو البحث عن خياراتٍ أخرى ربّما تكون أكثرَ نجاعةً ونجاحاً..
لكن، وعلى ما يبدو أنَّ حكومتَنا لا تفعل وتعمل إلّا ما يحلو لها وتراهُ مُناسباً من وجهةِ نظرها، مُفضّلةً أسهلَ الحُلولِ وأسرعَها، بغضِّ النظرِ عن التّبعاتِ والعواقب، فبدا المشهدُ وكأنّها تأخذُ على عاتقِها دقَّ المِسمارِ الأخير في نعش مركب موّال الدّعم "المَوهوم" الذي لطالما تغنّت بهِ الحُكومات المُتعاقبة لسنواتٍ وعُقود..!
وبتقديرنا أنّها نجحت في تمريرِ مشوارِ رفعِ الدعم، وأنَّ أغلبَ المُستبعَدين تقبّلوا الصّفعة، ليسَ تقبُّلاً، بل خبرةً بالواقع، فيما فضّلَ آخرون اللُّهاثَ وراءَ الاعتراضاتِ الالكترونيّة وزواريبِها كآخرِ وسيلةٍ للدفاعِ عن لُقمةِ العيش، وانتظارَ النتائج التي سيُعلَنُ عنها، في مُفارقةٍ عجيبةٍ غريبة ذاتِ الخصمِ والحَكَم..!؟
لكن مهلاً.. فإنّنا نعتقد أنَّ ما جرى ينطوي على عددٍ منَ المُغالطات، وأوّلُها مُخالفةُ الدستور الصّريحة والصّارخة أولاً، وتّشريعيّة ثانياً، لأنّها لم تسلِك البوّابة البرلمانية، وقانونيّة وإداريّة ثالثاً ورابعاً بسببِ خليطِ الأخطاء التي كشفتها اللحظاتُ الأولى للضّغطِ على "ستارت" الإقلاع..!
وطالما أنَّ كلَّ السوريين يحميهم ويحرسهُم دستورٌ واحد توافقوا عليهِ ليحكُمَهُم ويحتكمونَ إليه، بغضِّ النظر عن لونهِم وجنسهِم وملاءَتِهم، فقد كانَ حريّاً بهم اللجوء لوسائلَ وطرائقَ أكثرَ براغماتيّة تنسجمُ معَ المُعطَياتِ السابقة، وتُسقِط من حساباتِها مُصطلحَ الاستبعادِ من جذوره، مثل تفعيلِ أعمال الأتمتة الضريبيّة الموقوفة، والفوترة الإلكترونية الموعودة، والالتفات لكبار المورّدين والمورّدين الحصريّين، والمُصدّرينَ، والمُكلّفين الضريبيّين، وأصحاب المصارِف الخاصّة وشَرِكات الصّرافة، ومحطّات الوقود، والأفران، والجامعات والمعاهِد والمدارس الخاصّة، ومِهَن الظلّ، وفتحِ ملفّاتِ مُكافحةِ الفساد ومُلاحقة الفاسدين على مصراعيها برفعِ الغطاءِ عنهم، وضبطِ حركةِ الأسواقِ التي يُمسكُ بمفاتيحِها وتقلُّباتِها التاجر، والمُضيّ قُدُماً بتقديمِ المُحفّزاتِ والدعم للمشروعاتِ الصغيرة بأشكالِها الزراعيّة والحرفيّة والتراثيّة والصناعيّة والتجاريّة كافّة، والإسراعِ بمُعالجةِ الكارثة الكهربائيّة بطرائقَ تتناسبُ معَ حجمِها وانعكاساتِها المُدمّرة على السوريّين، إلى آخرِ القائمة التي تطول تجنُّباً للتعسُّف في استعمالِ الحقّ إن كانَ هناكَ حقٌّ أصلاً..
حينها فقط يستقيمُ مُصطلح إعادة توزيع الدعم "بعدالة" لمُستحقّيه، ويعودُ الهدوءُ والطمأنينة للنفوسِ التي لَعمري يُفترضُ أنَّها أولُ الأولويّات...