نافذة فينكس.. هني الحمدان

في النمو الاقتصادي...

جناحا النمو الاقتصادي وتطوره هما النهوض بالقطاع الزراعي والتطور الصناعي، بهما تتحقق معادلة التوازن والاكتفاء الذاتي، ومن ثم يتم الوصول إلى مرحلة التصدير..
في فترة من الزمن تحقق الاكتفاء الذاتي، ومن مؤداه صار الأمن الغذائي محققاً، وعلى الشق الآخر كانت هناك نهضة صناعية، يمكن أن نسميها هكذا، ولعب الجانبان مترافقين لا شك مع مجموعة عوامل ومقومات أخرى في الوصول إلى تحقق نسب في النمو الاقتصادي وتطوره ولو كان ضمن النطاق الضيق، لكن مؤشراته الإيجابية كانت ترخي بظلالها على الناس راحة وتوافر سلع غذائية ومواد وبأسعار مقبولة.. كل تلك المؤشرات خلال المرحلة الماضية..
في المرحلة الصعبة، مرحلة لا توازيها مرحلة عصفت بنا، جعلت من بيده القرار تائهاً لا يعرف أين الصوابية، ما هي الأهداف التي تنقله إلى برّ الأمان وتحقيق الرفاه للعباد، فكانت أشبه ما تكون بالضياع، واتخاذ خطوات آنية غير مدروسة. كل ذلك انعكس سلباً ليس فقط على الحياة المعيشية بارتفاع تكاليفها وأعبائها، بل تأثّر الإنتاجية وتراجعها في القطاع الزراعي والصناعي.
مساحات شاسعة خرجت من الإنتاج وآلاف من الأطنان تم ضياعها ومن ثم سرقتها من قبل مليشيات الكفر، ليتعرض المواطن للقلة أحياناً ولحصول اختناقات في مادة الخبز، إلا أنه كان لتدخل الدولة اليد الطولى، وبالفعل وقعت عقوداً لاستجرار آلاف الأطنان لسد النقص وتجاوز تراجع الإنتاج الزراعي الذي تدهور إلى مستوى لم يسبق له مثيل، والآن هناك قمح يكفي لسنة قادمة، وعقود لتوريد مليون طن قمح...
صحيح أن هناك تدخلات من أعلى الجهات لبقاء معادلة الأمن الغذائي محققة، ولو حصل نوع من التأخير والاختناق، إلا أن خبز المواطن خط أحمر.. لكن إلى متى تبقى خيارات التوريد وضخ العملات الصعبة متاحة..؟ ألم تفكر الوزارات المختصة بتعزيز زراعتنا في التركيز على إنتاجية أكبر تخفف من فاتورة استيراد القمح وغيره من السلع؟
أولاً: مع بداية زراعة المحصول حصل أن وزارة الزراعة وضعت في أجندتها الزراعية إيلاء القمح جلّ اهتمامها، و أطلقت شعارات أوحت من خلالها الدعوات للتوسع في الزراعة واستغلال أي مساحة ممكنة لزراعة المحصول الأهم، وصفت هذا العام بعام القمح. أمر أشاع اطمئناناً كبيراً بأننا سنصل إلى إنتاج أكثر من ثلاثة ملايين طن، وهي كميات تخفف على واضعي السياسة التوريدية مبالغ تخصيص قطع بكمية كبيرة، وجاءت التأكيدات بعد الجولات المكوكية إلى هنا وهناك بأن المحصول بحالة جيدة، لكن سرعان ما بدأت أخبار الطالع تتكشف بأن التغيرات المناخية عصفت بزراعاتنا وأن قلة الهطل المطري قد تغير من طموح التوقعات،أي إن الإنتاجية لا تسرّ البال، بل زاد الطين بلة ما يتوارد من بعض مديريات الزراعة عن خروج مساحات واسعة من حلقة الإنتاج المتوقعة، بمعنى آخر خسارة لعام جديد، وتوقعات عام القمح لم تكن بالفأل المحمود... فهاهي الزراعات البعلية جلّها سيخرج تماماً، ومعادلة النقص والتراجع الأكبر مستمرة للوراء..
ثانياً: قد تكون المتغيرات المناخية سبباً وراء خروج مساحات مزروعة.. لكن ألم يدرك أصحاب الشأن الزراعي مثل تلك المتغيرات من قبل..؟ وهل خلت جعبتهم من أي حلول؟ هل فكروا بتسيير الانتقال إلى التكثيف المستدام للإنتاج المحصولي مثلاً..؟ وأين سياستهم حيال دعم المزارعين ونظم الإنتاج المستدامة ..وأسئلة أخرى وأخرى؟.
أيها السادة: أعوام ثلاثة مرت.. ويبدو أن محصول القمح للعام الحالي إلى تراجع.. هل فكرنا جميعاً مجتمعين بسلك طريق يضمن إنتاجية متوسطة؟ لا نطمح بالوصول إلى إنتاج أربعة ملايين طن سنوياً، نكتفي بتحقيق قرابة مليوني طن فقط.. ولكن على ما يبدو سنبقى نتغنّى ونحن مغمضون لأعيننا عن واقع هشّ, يرخي ظلاله مع تناقص بقوائم سلع ومواد كنا بالأمس القريب نتغنى ببحبوحتها وفوائضها...!
ثالثاً: تدهور وركود الإنتاجية في الشق الزراعي ينذر بآثار كارثية، وبعجز قائم في النمو الاقتصادي، وسيبقى مرتهناً لمتغيرات وفاتورة غالية لسد العوز المحلي ..وحتى الصناعة الطرف أو الجناح الآخر بالتوازي مع الزراعة لا تزال غارقة
بمشكلات عمرها سنوات، فلكي تعود شركاتها للإنتاج تحتاج إلى قيم لا تتحملها موازنات دول، وفوق ذلك تصرّ الصناعة على أنها حققت أرباحاً تجاوزت خمسين مليار ليرة خلال ٢٠٢٠ بزيادة عشرة أضعاف عن عام ٢٠١٩ حيث كانت أرباحها بحدود خمسة مليارات ليرة فقط.
الصورة ليست بحلة مشجعة أو تدعو للتفاؤل، فمن آثار الحرب إلى شماعات وباء كورونا، إلى المتغيرات المناخية، في المجال الزراعي، أما في الشأن الصناعي، فهذا يحتاج إلى فرد مساحات ومساحات للإشارة إلى محطات التأكيد وحسن النوايا تجاه إصلاحه، إلا أن ما تحقق على أرض الواقع لا شي .. وإذا كان القطاعان يمران بظروف صعبة كهذه فلا أمل في انتعاش اقتصادي بعد الدخول في مرحلة يصعب وصفها حالياً..!