أهم مخلوق في الكوكب
حسن م. يوسف- فينكس:
لطالما أعرب الإنسان عن اعتقاده بأنه تاج الطبيعة والكائن الأرقى في سلم المخلوقات الموجودة على سطح كوكب الأرض، لكن الجمعية الملكية الجغرافية في لندن أعلنت رسمياً مؤخراً، أن أهم مخلوق على وجه الأرض هو "النحل"، وليس الإنسان.
وقد عللت الجمعية الجغرافية إعلانها بالقول: إن النحل هو المخلوق الوحيد على وجه الأرض المعقم تماماً، أي أنه لا ينقل البكتيريا ولا الفيروسات ولا الفطريات ولا يتسبب للكائنات الأخرى بأية عدوى من أي نوع.
وقررت الجمعية البريطانية في إعلانها أن 70% من المنتجات الزراعية من كل الأنواع، تعتمد في إحدى مراحل دورات نموها، الى هذا الحد أو ذلك، على النحل. وبناء على ذلك استنتجت الجمعية أن ملايين البشر والحيوانات من شأنهم أن يتضوروا جوعاً، إذا لم يقم النحل بدوره في خلق الظروف التي تؤدي لتوفير الغذاء لهم.
وتذكِّر الجمعية الجغرافية البريطانية في إعلانها، بقولٍ واسعِ الانتشار لأشهر علماء البشرية صاحب النظرية النسبية ألبرت إنشتاين، مفاده:
" لَوْلا النَّحْل لَما أمكنَ قِيامُ الحياة على هذه الأَرْض، على الأَقل بِهذا الشَّكل. ولو اختفى النحل من الأرض فلن يبقى لدى البشر سوى أربع سنين لا غير، قبل أن ينقرضوا".
ومن أغرب الحقائق التي توقفت عندها الجمعية الجغرافية البريطانية في إعلانها، أن النحل لم يخضع لأي تطور منذ أن وجد لأول مرة على وجه الأرض، أي قبل مئة وعشرين مليون سنة، فالحفريات الأثرية التي ترجع لما قبل ظهور البشر على سطح كوكب الأرض، أثبتت أن النحل كان كما هو الآن، دون أي تغيير يذكر. والعجيب في هذا الكائن النبيل هو أنه يتواجد في كل بيئات العالم بلا استثناء. في الغابات المطيرة وفوق الجبال الشاهقة، في الصحاري وفي قلب المدن وفي كل بيئة على سطح الأرض. ولمنتجات النحل فوائد صحية لامحدودة، وخواص علاجية تكاد تكون صيدلية متكاملة. فالعسل مليء بمضادات الأكسدة التي تمنع تكاثر الخلايا السرطانية، وهو يعالج الالتهابات ويخفض ضغط الدم المرتفع، ويقلل الكوليسترول والدهون الثلاثية. كما يساعد على التئام الحروق والجروح ويعالج قرحة المعدة والكبد. ويخفف السعال عند الأطفال.
أما الشمع الذي ينتجه النحل فيمنع النزيف ويحمي الجلد ويغذيه. والصمغ الذي ينتجه النحل يعتبر مضاداً حيوياً طبيعياً يقلل الاحتقان ويستخدم في علاج بعض أنواع السرطان، ويقوي الجهاز المناعي، ويحمي خلايا الكبد.
غير أننا نحن البشر كعادتنا لا نعرف أهمية الشيء إلا عندما يزول أو يصبح مهدداً بالزوال، فمن المؤسف أن الجمعية الملكية الجغرافية البريطانية لم تعلن أن النحل هو أهم مخلوق على وجه الأرض فقط، بل أعلنت أيضاً في الوقت نفسه، بأن النحل بدأ ينقرض بالفعل في أماكن كثيرة من هذا العالم، وأن نسبة الانقراض وصلت في بعض المناطق إلى 90%.
وترجع الجمعية أسباب انقراض النحل للتغيرات الحديثة التي أقحمها الإنسان على البيئة الطبيعية، وعلى رأسها استخدام المبيدات الحشرية الكيميائية، إضاقة لقيام الانسان باجتثاث الغابات وتدمير المنظومات البيئية. وما زاد في الطنبور نغماً هو أن موجات أبراج الهواتف المحمولة بدأت تتسبب بتشتيت تجمعات النحل والتشويش على عمله الغريزي.
وللتذكير بأهمية النحل بالنسبة لنظامنا البيئي والاقتصادي، والتحذير من خطر انقراضه، قررت الأمم المتحدة بدءاً من عام 2018 تكريس يوم العشرين من أيار يوماً عالمياً للنحل. وقد طالبت كتلة حزب الخضر في البرلمان الألماني، الحكومة الألمانية، بحظر جميع المبيدات الضارة بالنحل، التي يتم استخدامها في الزراعة، لأن أكثر من نصف أنواع النحل البري البالغ 600 نوع في ألمانيا أصبح مهدداً بالانقراض. يرى الفيلسوف ومربي النحل الأمريكي ريتشارد تايلور (1919- 2003) "إن الأنسان الذي يفارق هذه الدنيا من دون أن يتعرف الى عالم النحل فكأنه لم يولد".
وقد كان هذا الفيلسوف معجباً بعالم النحل، إذ كانت لديه أكثر من ثلاثمئة خلية، كان يشرف عليها بنفسه.