إغاثة الأمة بكشف الغمة

حسن م. يوسف- فينكس:

هل عرفت الجوع يوماً أيها القارئ العزيز؟ هل شعرت أن فمك مر، وأن قواك تنسل منك، وأن أمعاءك تتلوى في جوفك كديدان ضخمة تضغط عليك من الداخل حتى لتشعر أنها قد تندفع عبر فمك في أية لحظة؟

إذا كنت قد مررت بمثل هذه اللحظات، مثلي، فلك أن تغتبط لأنك نجوت منها، أما إذا لم تكن قد مررت بمثلها فلك أن تغتبط أكثر لأنه ما من شيء في هذا العالم يهدر كرامة الإنسان كما الجوع!

أعتقد أن الجوع هو أحد الظلال السوداء التي رافقت البشرية على مر التاريخ، فهو سرطان المجتمعات، والعدو الأول للحوار، فأنت لا تستطيع أن تناقش البطن الجائع، كما يقول المثل اليوناني، لأنه بلا أذنين. لكن تقي الدين أحمد بن على المقريزي صاحب "إغاثة الأمة بكشف الغمة" الذي يعد أشهر كتاب عربي عن الجوع، له رأي آخر، فهو يعتقد أن "الأمور السالفة كلما كانت أصعب على من شاهدها، كانت أظرف عند من سمعها". وانطلاقاً من هذا وتأسيساً عليه نرجع الى هذا الكتاب المر، على أمل أن يكون صداه حلواً لدى المتلقي.    

ولد المقريزي عام 766هـ (1345م) في حارة برجوان بقسم الجمالية بمحافظة القاهرة المصرية. نشأ في أسرة معروفة بالاشتغال بالعلم، فعكف على دراسة علوم الدين وحفظ القرآن ومعرفة النحو والتاريخ والأدب والحساب. عمل كاتباً في ديوان الإنشاء بالقلعة ثم عين نائباً من نواب الحاكم، ثم مدرساً للحديث في المدرسة المؤيدية. في عام 1398 ميلادية عينه السلطان برقوق محتسباً للقاهرة والوجه البحري، وبعد ذلك انقطع للعلم واشتغل بالتاريخ. عاش المقريزي تسعاً وسبعين عاماً أمضى الردح الأول منها في ظل دولة المماليك البرجية، وعاش الشطر الأخير منها في ظل دولة المماليك البحرية.

لا شك أنكم تعلمون أن المماليك هم الأرقاء الذين اشتراهم حكام تلك الأيام، كي يحموهم من غضب الشعب، فكان أن أكلوا الحاكم والمحكوم في آن معاً طوال ثلاثة قرون!

للمقريزي كتب عديدة من أهمها "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" و" العقود في تاريخ العهود" و "اتعاظ الحنفا بأخبار الفاطميين الخلفا"، لكن أكثر كتبه غرابةً هو "إغاثة الأمة في كشف الغمة" الذي نحن بصدده. ففي هذا الكتاب يطلق المقريزي صرخته، ناطقاً بالحقيقة، غير عابئ برضى المتحكمين برقاب الناس. وقد قيل إن السبب الذي دفع المقريزي لتأليف هذا الكتاب هو موت ابنته الوحيدة بالطاعون، لكن من يتمعن في قراءة الكتاب سيجد أنه ليس مجرد رد فعل، بل هو محاولة للفعل بقصد التغيير، يقول المقريزي: "فالأمور كلها قلها وجلها، إذا عرفت أسبابها، سهل على الخبير صلاحها."...ويقول أيضاً: "فعزمت على ذكر الأسباب التي نشأ منها هذا الأمر الفظيع، وكيف تمادى بالبلاد والعباد هذا المصاب الشنيع"

أول ما يلفت النظر في كتاب المقريزي هو منهجه العقلاني السببي، الأمر الذي يتجلى بوضوح في قوله: "فإذا تأملنا الحادث من بدايته إلى نهايته، وعرفناه من أوله إلى غايته، عرفنا أن ليس بالناس سوى سوء تدبير الزعماء والحكام، وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد". وهذا يضفي على الكتاب قيمة علمية خاصة جديرة بالاهتمام.

يأتي المقريزي على ذكر ست مجاعات أصابت مصر قبل الاسلام وعشرين مجاعة أصابتها بعده. ويرجع المجاعات لأسباب "سماوية" كقصور النيل وعدم نزول المطر بالشام والعراق والحجاز. وأخرى اجتماعية يأتي على رأسها شراء المناصب بالمال، والاسترسال في ضرب الفلوس "فأصبح النقد يوزن ولا يعد"   وقد أدت زيادة الضرائب على المنتجين إلى جعل الفلاحين يهجرون أرضهم "دفعاً للمغارم وخلاصاً من المظالم ".

يتوقف المقريزي ملياً عند الشدة العظمى التي وقعت في أيام المستنصر ويصف "الغلاء الذي فحش أمره، وشنع ذكره، مما أدى إلى تعطل الأحوال واختلال الأمن، وتوقف الزارعة، وانتشار الأوبئة".

يقول المقريزي: "...وأُكلت الكلاب والقطط حتى قلَّت الكلاب، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير. وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا."

ومن أطرف وأمرّ ما يذكره المقريزي من أحداث، أن المستنصر أحضر الوالي وأقسم أن يضرب رقبته وينهب ماله "إن لم يظهر الخبز في الأسواق وينحل السعر" فألبس الوالي عدداً من المجرمين المحكوم عليهم بالموت ثياب علية القوم، ثم جمع تجار الحبوب والخبازين والطحانين، وأمر بإحضار أحد المجرمين فدخل عليه في هيئة عظيمة "...حتى إذا مثل بين يديه قال له:" ويلك، ما كفاك أنك خنت السلطان، واستوليت على مال الديوان، إلى أن خربت الأعمال ومحقت الغلال، فأدى ذلك إلى اختلال الدولة وهلاك الرعية؟ اضرب رقبته!" فضربت رقبته ثم أحضر آخر وقطع رأسه كسابقه، فذعر الحاضرون وتعهدوا بإخراج الغلة وتشغيل الطواحين، وإعمار الأسواق بالخبز...الخ!