أفكار مكررة لعدم وصولها

*حسن م. يوسف- خاص فينكس

لاحظ أحد الأصدقاء القراء أنني أكرر أحياناً بعض أفكاري، واعتبر هذا مأخذاً على تجربتي في الكتابة، والحق ان ملاحظة الصديق صائبة وفي محلها، فأنا أتعمد في بعض الأحيان تكرار بعض الأفكار التي سبق لي أن طرحتها في سياق جديد، خاصة عندما أشعر أنها لم تصل الى هدفها، فالفكرة كائن هش قد تموت لحظة ولادتها إن لم تقع على وجدان إنسان يحتضنها، أما إذا ما اتحدت الكلمة بوجدان إنسان صادق وقوي عندها قد يكرس ذلك الصادق القوي كل طاقاته لخدمتها وتحويلها من مجرد نبضة في الهواء الى تجربة اجتماعية مدهشة تغير حياته وحياة الآخرين.

عندما قلت عبارة "نحن لم نحسن الاستثمار في الإنسان". في بداية الحرب التي تشنها الفاشية على وطننا السوري الحبيب، لم أكن أتصور أنها سوف تتحول الى جرس لا يكف عن الرنين في رأسي. ربما لأن نشرات الأخبار تقدم لنا في كل يوم تقريباً نماذج من إرهابيين (سوريين) تعمدوا تخريب المدارس والمؤسسات العامة واعتدوا على جيشنا العربي السوري البطل رغم أنهم قد "تربوا" في مدارس الدولة السورية وتخرجوا من جامعاتها!

والحقيقة أن مدارسنا تُعلم أطفالنا كمية لا بأس بها من المعارف لكنها مع الأسف تهمل بناء الهوية والحس الوطني، إذ أنها تعتمد التكرار بدلاً من الإقناع. وأنا أشعر أنه من واجبي أن أعيد إثارة هذه القضية إلى أن يتم التوصل الى حل مناسب لها.

نعم سبق لي أن قلت إن دخل الفرد في ماليزيا كان في خمسينات القرن الماضي أقل من دخل الفرد في سوريا، كما سبق لي أن تساءلت كيف استطاع الماليزيون خلال عقدين من الزمن ان يخفضوا نسبة من هم تحت خط الفقر من 52% الى 5% فقط؟ وكيف نجحوا في رفع متوسط دخل المواطن الماليزي من 1200دولار في العام إلى 8900 دولار خلال عقدين؟

لا شك أن الفضل الأساسي في ذلك يرجع للشعب الماليزي الذي عمل مع قيادته الوطنية بدأب بالغ، أما من يركزون على أهمية دور الفرد في التاريخ فيرون أن الفضل الأكبر فيما جرى يرجع لرئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد الذي هو الابن التاسع والأخير لمعلم ابتدائي وربة منزل.

كان مهاتير محمد يتمتع منذ نعومة أظفاره بإحساس عال بالمسؤولية، فقد قام بمختلف الأعمال كي يخفف أعباء دراسته عن والده. وعندما تخرج كـجراح من كلية الطب في سنغافورة المجاورة، خصص نصف وقت عيادته الخاصة للكشف المجاني على الفقراء.

وعندما أصبح وزيراً للتعليم توجه شرقاً وقد صاغ هذا الخيار في عبارة أصبحت فيما بعد واسعة الانتشار: "عندما أريد أن أصلي أتوجه نحو مكة، وعندما أريد تطوير التعليم أتوجه نحو اليابان"

ذلك أن اليابانيين بنوا نهضتهم الاقتصادية على نهضتهم التربوية، فعندما سئل أحد المسؤولين اليابانيين عن سر تقدمهم قال: "لقد أعطينا المعلم راتب الوزير وهيبة الضابط واحترام الامبراطور".  وقد أنقذ النظام التربوي الذي وضعه الطبيب الجراح مهاتير محمد الاقتصاد الماليزي من الانهيار. ففي نهاية تسعينيات القرن الماضي قام كبار المستثمرين الأجانب بعمليات تحويل نقدي واسعة إلى خارج ماليزيا، مما هدد العملة الماليزية، الرينجيت، بخطر الانهيار، وقد كان الهدف من تلك العملية المشبوهة إجبار حكومات النمور الآسيوية على تعويم عملاتها تنفيذاً لإملاءات صندوق النقد الدولي. لكن مهاتير محمد صارح شعبه واستعان به فكانت المفاجأة وتمكنت ماليزيـا من اجتياز الأزمة بأقل الخسائر. اعتبر مهاتير محمد أن ذلك النجاح تم بفضل النظام التربوي الذي شيده في بلاده. إذ قال: "لقد شيدت لشعبي منظومة تعليمية عملاقة لا تتأثر بنوائب الدهر وتقلبات الزمن، وأنا أجني ثمارها اليوم. علّمت شعبي معنى الإسلام والتسامح ونبذ التعصب وحب العمل والإتقان وعشق الوطن. فلما كانت الكارثة الاقتصادية تُسقِط النمورَ الأسيوية واحداً تلو الآخر كانت نساء ماليزيا يهرعن بل يهرولن زرافات الى بنوك ماليزيا لوضع مصوغاتهن الذهبية فيها لإنقاذ اقتصاد البلاد، إنه حب الوطن الذي تعلموه في مدارس ماليزيا".

خلال منتدى كوالالمبور للفكر والحضارة الذي عقد في العاصمة الماليزية عام 2014 رسم مهاتير محمد خارطة طريق للنهوض بالعالم الإسلامي تتمثل في بضعة أفكار:

- "لا يجوز أن تخضع قيادة المجتمعات المسلمة "لهيمنة فتاوى الفقهاء والوعاظ".

- ينبغي الدخول في حوار مفتوح مع كل مكونات مجتمعاتنا الوطنية دون استثناء بغية توطين الاستقرار والتنمية.

- يجب التحرر من ثقافة الثأر والانتقام التي يحرص المتعصبون على نشرها... وأن نتجاوز آلام الماضي وننحاز للمستقبل"

- يجب ضبط البوصلة وتكريس كل الجهود والطاقات لمعالجة الملفات الحقيقية وهي الفقر والبطالة والجوع والجهل.

لكن أفكار مهاتير محمد ماتزال مجرد نبضات في الهواء.