بوح بنكهة الحقيقة
حسن م. يوسف- فينكس:
ثمة إجماع على أن السيرة الذاتيّة تمنح مؤلّفها الفرصة لإعادة رسم تاريخه الخاص، لذا يسرد البعض سيرهم لا كما عاشوها فعلاً بل كما يشتهونها، غير أن الصديق الأديب المبدع الجميل إسماعيل مروة يختار ممارسة البوح الحميم بنكهة الحقيقة.
يهدي اسماعيل مروة سيرته الذاتية إلى نور الأيام التي عاشها وإلى العمامة التي أنارت درب أيامه كما يهديها لصاحب "الأيام" العلامة الدكتور طه حسين الذي يصفه بعبارة "أستاذي دوماً" لأن كتابه الأيام هو أول كتاب قرأه، فَغَيَّره.
يباشر الأديب إسماعيل مروة بوحه الحميم الموجع من مقدمته التي عنونها بـ: "وصية الأيام" فيصف أحواله عندما قام بنثر التراب على شقيقه حسين (أبو خلدون)، وعندما خرج من القبر "خرجت الدنيا من قلبي بكل ما فيها إلى غير رجعة."
في مطلع بوحه يلقي اسماعيل مروة نظرة على حصاد العمر ليجد أن مؤلفاته قاربت "...على الخمسين بين القصة والرواية والنقد واللغة والوجدان والنصوص المفتوحة" وجاوزت الكتب التي عمل في توثيقها، الأربعين كتاباً. وقبل أن يغوص في الذاكرة لصيد لؤلؤها، يعلن مروة أن سيرته هذه ليست كتاباً للخاصة، "إنها كتاب لأولادي وأحفادي وأحبابي، كتاب للحياة".
وكما بدأ مروة حياته قاصاً في مجموعة "الأكفان تعلن انقلابها"، يعلن عزمه على إنهاء حياته الكتابية بمجموعة قصصية هي "الأزقة الخلفية"،التي صدرت مؤخراً عن دار التكوين الدمشقية.
يعترف مروة أنه مارس الكتابة كي يسعد نفسه ومن يحب، ويعلن بجرأة أنه ليس صاحب رسالة، وأنه قرر التقاعد عن إصدار الكتب كي يتفرغ للتأمل والحياة.
بعد المقدمة- الوصية يعود بنا الأديب اسماعيل مروة إلى طفولته في معربا، فيروي لنا برشاقة وطرافة كيف دخل إلى المدرسة، رغم إصابة عينه، وكيف قادته هواية الخطابة إلى مسرح الحمراء وكيف طلب من شقيقه أن يشترى له كتاب الأيام لطه حسين الذي يراه "واحداً من عباقرة الزمان على امتداده"
يفرد مروة عدة صفحات لشيخ قرية معربا أحمد لوظا الذي علمه مخارج الحروف وتلاوة القرآن الكريم وتجويده، ولا يفوته أن يبدي إعجابه بذلك الشيخ الفطري الذي كان معلماً في التمديدات الصحية يأكل لقمته بعرق الجبين.
يكشف اسماعيل مروة أن والده كان معتمد القرية لدى الجمعيات الاستهلاكية غير أنه لم يكن يبيع مختلف السلع في دكانه وحسب، بل كان يحلق للزبائن أيضا. ويسرد إسماعيل بخفة دم المسار المضحك المبكي الذي مر به حتى تعلم الحلاقة أسوة بحنا مينة وكيف امتهنها لمدة خمسة عشر عاماً حتى حصوله على الماجستير في علوم اللغة العربية.
كمعظم الآباء، كان والده يريده أن يكون طبيباً، لكنه بعد أن تعثر عامين، تمرد على الإرادة البابوية، وتحول للدراسة الأدبية. وبعد تلمس مختلف التوجهات السياسية اختار أن يكون قوميا عربياً.
الطريف في الأمر هو أن سماعيل مروة لم يكن لديه هاجس التفوق في دراسته الجامعية، فهو يبوح لنا بأنه كان يدرس ويجتهد بغرض إشباع نهمه للفهم والمعرفة والتخرج، كي يعفي والده من مصروفه. لكن ترتيبه رغم ذلك جاء بين الخمسة الأوائل، مما أتاح له فرصة الدراسات العليا في مركز البحوث، لكنه غادره بعد خمس سنوات، إذ بدأ الأدب يلح عليه فألف مجموعته القصصية الأولى وغادر المركز سعياً وراء حلمه كأديب.
لا يغفل مروة ذكر تكافل أسرته معه، ومتاعب ما بعد الدراسة والعمل في الإمارات والعودة إلى الوطن. كما يبوح بجل تفاصل حياته خلال العقدين الماضيين، ويورد الكتب التي نشرها، ويتوقف ملياً عند عمله في الإعلام مع الأستاذ وضاح عبد ربه، ويصف تجربته الإعلامية بأنها أغنى محطات حياته. ويختم سيرته الشائقة برصد وقائع أسرته وتحولات أصدقائه والأحداث المهمة في حياته وضوء الحب في أيامه، والحق أنه كان مخلصاً لنفسه وللحقيقة، إذ لم يُجمِّل إخفاقاً ولم يعتدّ بنجاح، كما جاء في الفصل الذي عنونه بـ "خط النهاية".
لا شك أن حياة اسماعيل مروة كانت أكثر عمقاً وتشويقاً وإثارة مما جاء في سيرته الذاتية "الأيام كما عشتها"، لكن الإنصاف والنزاهة يقتضيان أن نعترف له بأنه مارس البوح بنكهة الحقيقة، وكلي أمل أن يتحفنا في قادم الأيام بكتاب آخر بعنوان: "مالم أقله في الأيام كما عشتها".