فرصة وتحد

حسن م. يوسف- خاص فينكس

ما لا شك فيه هو أن كل من كرِّم مساء أمس في افتتاح احتفالية أيام الثقافة السورية في دار الأوبرا بدمشق جدير بالتكريم، فالمربية الموسيقية إلهام أبو السعود قامت بتربية أجيال من الفنانين وأغنت الحياة الثقافية السورية بالعديد من الأعمال الإبداعية لعل أهمها أغنيات الأطفال التي أبدعت في تلحينها. كما شاركت مع طيب الذكر المرحوم صلحي الوادي في تأسيس المعهد العربي للموسيقي الذي تخرج منه جل الشباب المبدعين في الحياة الموسيقية السورية الآن. أ حسن م يوسفوالأديب الدكتور الباحث عاطف البطرس ليس مجرد ناقد وباحث بل هو شغيل ثقافة بالمعنى العميق والنبيل للكلمة. فهو لا يتابع بكتاباته ودراساته النقدية كل ما هو جميل وعميق في الثقافة السورية وحسب، بل هو مثقف عضوي منخرط في هموم شعبه ووطنه، يجمع في كتاباته ومواقفه الوضوح والعمق في آن معاً. والمخرج السينمائي المتميز عبد اللطيف عبد الحميد ليس مجرد مبدع أفلام، فقلمه وكاميرته لا يكتفيان بتقديم الصور الجميلة والأفكار العميقة، ولا يكتفيان بالتقاط اللحظات الإنسانية المضيئة فينا، بل يجددان شبابها قبل أن تخبو. والباحث الموسيقي والعازف البارع محمد حنانا أسهم بقسط وافر من الجمال في حياتنا، كعازف على آلتي الكمان والفيولا وكباحث موسيقي رصين أغنى ذائقتنا بالعديد من البحوث الموسيقية الممتعة من خلال مجلة الحياة الموسيقية التي رئس تحريرها طوال عقد من الزمن تقريباً، كما ألف وترجم عدة كتب في هذا المجال، لعل أهمها معجم الموسيقى الغربية. والأديبة الدكتورة ناديا خوست، ابنة دمشق البارة التي ولدت في سوق ساروجا وتشبعت بجمال دمشق ثم أعادته لنا فيضاً من الإبداع في مختلف المجالات، فهي لم تتوقف عن العطاء يوماً منذ أكثر من نصف قرن، وقدمت لنا عشرات الكتب في مجال القصة القصيرة والرواية والدراسة، وكانت من خلال مقالاتها الصحفية من أبرز المدافعين عن الهوية الوطنية وقضايا الناس. أما تكريم الزميل والصديق العزيز الفنان والخطاط محمد القاضي، الذي زاملته طوال ثلاثين عاماً في جريدة تشرين، فقد أسعدني على نحو خاص، لا لأنه زميل وصديق عزيز، بل لأن بقية المكرمين الذين أتيت على ذكرهم سبق لهم أن نالوا قسطاً من التكريم، غير أن الفنان الخطاط محمد القاضي يكاد يكون من الجنود المجهولين في الحياة الثقافية السورية، رغم أنه يمارس الرسم والنحت والخط العربي ويكتب القصة القصيرة والشعر منذ أكثر من نصف قرن، وقد أثبت حضوراً نوعياً في كل هذه المجالات، غير أن صوته الأقوى كان في مجال الخط العربي، إذ وصفه الخطاط الحمصي الشهير عدنان الشيخ عثمان بأنه : "أستاذ كبير، وسيد تشريح الحرف العربي، وشيخ الصنعة".
يعلم من يتابعني من الأصدقاء أنني كنت يوم أمس من الساعة السادسة وحتى السابعة والنصف مساء ضيفاً على الإعلامي+ الدكتور يامن ديب في حديث مباشر على هواء إذاعة وقناة سوريانا في برنامجه المميز "حوار VIP" وقد انطلقت فور انتهاء اللقاء، بسرعة الشوق، من مبنى الإذاعة والتلفزيون، وعندما دخلت مسرح الأوبرا الجميل كانت الخطب الرسمية قد انتهت، وقد شاءت الصدفة أن يكون اسم الصديق محمد القاضي هو أول ما سمعته فور دخولي.
تقام احتفالية أيام الثقافة السورية تحت عنوان " الثقافة أصالة وتجدد"، وتشتمل الاحتفالية على مجموعة كبيرة من الفعاليات الثقافية والفنية يزيد عددها عن مئة وسبعين نشاطاً متنوعاً في المجالات السينمائية والمسرحية والموسيقية والأدبية والفكرية والتراثية، وتستمر حتى يوم الإثنين المقبل في مختلف المحافظات.
عندما عدت الى البيت حضرت عبر الإنترنت ما فاتني من الاحتفالية عبر تسجيل البث الحي للاحتفالية، وقد استوقفتني معلومة قالتها السيدة الدكتورة لبانة مشوح وزيرة الثقافة هي أن يوم انطلاق الاحتفالية يتوافق مع الذكرى الـثالثة والستين لتأسيس وزارة الثقافة، كما استوقفتني إشارة ذكية تفضل بها مقدم الحفل هي أن كلمة ثقافة وكلمة سورية تتصاديان إذ لكل منهما نفس العدد من الحروف.
وقد تضمن حفل الافتتاح المبهج بصرياً لوحات راقصة لفرقة جلنار، كما تضمن لوحات راقصة أخرى لطلاب قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية رافق إحداها صوت المبدع الكبير الراحل صباح فخري بوصلة من القدود الحلبية والموشحات الأندلسية. وقد تألق الموسيقيون السوريون إذ قدموا العديد من المقطوعات والمؤلفات المتميزة، والتهبت الأكف عندما انتهى المؤلف وعازف العود الموهوب كنان إدناوي من عزف مقطوعته الساحرة (رقصة حلب) بمرافقة الفرقة السيمفونية السورية، وتناوب على قيادة الفرقة ثلاثة من القادة المتمكنين هم أندريه معلولي وميساك باغبودريان وعدنان فتح الله.
تحية للثقافة السورية في أيامها فهذه الأيام فرصة وتحد، فرصة للمبدعين السوريين كي يقدموا عصارة إبداعهم لمواطنيهم وللعالم، وتحد لهم كي يقدموا المزيد من الإبداع وجعل كل الأيام منذورة للثقافة.