معجزة صباح فخري
حسن م. يوسف - فينكس:
في طريقنا من دمشق الى القرية اقترحت زوجتي أن نتحول الى الراديو كي نطمئن على أحوال العالم، ومن خلال تقطع الإرسال، قبل أن يغيب نهائياً، سمعنا اسم صباح فخري فأدركنا الخبر الحزين المتوقع.
لم يكن صباح فخري بالنسبة لعائلتنا الصغيرة مجرد فنان مبدع كبير، بل كان عضواً في العائلة فقد دخل معنا الى بيتنا عندما اجتزنا عتبته لأول مرة ولم يخرج منه أبداً وهكذا كبر الأولاد على صوته فامتزج بكل ذكريات العائلة.
عندما وصلت الى جبالي استوقفني الخريف بألوانه المدهشة وسماواته المرقشة بالغيم، وبينما كنت ألتقط الصور كان صوت صباح فخري يتردد في داخلي:
" عيشة لاحب فيها / جدولٌ لا ماء فيه"

كنت أنوي أن أكتفي بنشر الكلمات السابقة على صفحتي في الفيس بوك، لأن كثيرين سوف يكتبون عن صباح فخري الفنان والإنسان، وأنا لا أحب الزحام، وقد باشرت بالكتابة عن موضوع آخر، لكن شحنتي العاطفية والروحية لم تسمح لي أن أتقدم خطوة واحدة في ذلك الاتجاه. وما أن استدرت حتى سحبتني الذكريات كسيل جارف.
تذكرت متى رأيت الكبير صباح فخري لأول مرة. كان ذلك ذات يوم في ثمانينات القرن الماضي عندما ذهبت الى نقابة الفنانين بشارع بغداد، لأن الصديق الغالي فواز الساجر، أبهى أبناء جيلنا، كان قد طلب مني أن أصور له مقالاً من أرشيف الجريدة، وأن أوافيه به الى نقابة الفنانين التي كان فواز يومها أمين السر فيها، وكان النقيب هو صباح فخري. وبينما كنا نشرب الشاي ونضحك، نقر الباب ودخل رجل قصير القامة. سلم باقتضاب، ثم سأل فواز عما إذا كان لديه بقية من دواء الحموضة الذي سبق وأعطاه منه. نهض فوار نحو حقيبة يده الشهيرة المحشية دائماً بمختلف أنواع الأدوية، وبينما كان يناول المبدع الكبير صباح فخري حبتي المالوكس، سأله عما سبب له الحموضة، فهز الثاني رأسه وعلى وجهه ابتسامة محرجة: أكلت سندويشة فلافل!
يومها فوجئت بأن صباح فخري ليس عملاقاً كما كنت أتصور، وفوق هذا يأكل الفلافل المقلية بزيت المحركات مثلنا!
في مطلع التسعينات، وفي مثل هذه الأيام، كنت مسافراً الى دمشق بمفردي، وقد اخترت منذ بدء انطلاقي أن يكون رفيق رحلتي صباح فخري، وكانت كل أشرطته متوفرة لدي، ولما اجتزت حمص، فوجئت وأنا أبدل الشريط إذ سمعت صوت صباح فخري ينطلق من إذاعة مونتي كارلو. وخلال اللقاء سألته المذيعة عن سبب زيارته لباريس فأجابها بطريقته المحببة أنه كان من المفترض أن يقيم حفلة هناك لكن الفكرة قد الغيت لأن "الأمبوزاريو " – أي مدير الأعمال- فشل في حجز مسرح، وتعبيراً عن انزعاج الفنان الكبير من هذا الأمر، قال بلهجة قاطعة إنه اعتباراً من ذلك التاريخ لن يقبل بالوعود الشفهية من أحد بعد الآن، ثم أضاف بالحرف الواحد: "من اليوم وطالع كله شندي. هات كليلك خود كعيبي".
رحت أضحك كما لو أنني برفقة صديق عزيز، وعندما انتهى اللقاء أحسست بانقباض كما لو أنني قد فقدت صديقاً عزيزاً بالفعل! ولكي أكسر الحالة وضعت في المسجلة شريط "اسق العطاش" لكن ذلك الخيار لم يكن موفقاً إذ ذكرتني تلك الوصلة بأنني عطشان، وأنا لم أحضر معي ماء، وقد تعودت ألا أشتري عبوات الماء البلاستيكية على الطريق لأن الباعة غالباً ما يضعونها تحت الشمس مما يجعل بعض مكونات البلاستيك المسرطنة تنحل في الماء. كنت أجتاز المنطقة المقفرة بين البريج وقارة وقد بلغ العطش مني مبلغه بينما صباح فخرى يصدح بصوته المدهش "اسق العطاش تكرما / فالعقل طاش من الظما / غث اللهفان واسق الظمآن/ وارو يا رحمن من منهل الإحسان غُربا الأوطان" وفي تلك اللحظة
لمحت في منتصف الطريق نقطة صفراء. كان الطريق خالياً تماماً وكان فضولي يشتد إزاء النقطة الصفراء، وفجأت شهقت إذ تبين لي أن النقطة الصفراء ماهي إلا برتقالة أبو صرة ساقطة من إحدى الشاحنات، فأخذت يمين الطريق، ونزلت مسرعاً. تلقفت البرتقالة العملاقة التي وضعتها الملائكة في طريقي. وبينما كان المعلم صباح فخري يتغنى بقد حبيبته إذ مال ولحظها الفتان القتال، كنت أنا أفترس البرتقالة وخلال دقائق كنت قد أتيت على شحمها وعلى الأبيض من قشرها!
السلام وعطر الياسمين لروح الفنان الكبير صباح فخري، الذي سيبقى حياً فينا ما بقينا.