(هائمة وتحتقر الوطن)!

حسن م. يوسف / فينكس

قبل ساعات من كتابة هذه الكلمات كنت أتصفح مدخلات أصدقائي على صفحاتهم في الفيس بوك، فاستوقفني "لسان حال" للصديق المخرج وكاتب السيناريو بشار عباس، ونظراً لأنني أحترم الصديق بشار لجديته واجتهاده ولا أحب المماحكة، فقد باشرت الكتابة عن مشروع عنفات توليد الكهرباء بقوة الرياح لتكون موضوع هذا الحديث، إلا أن القضية الذي أثارها الصديق بشار استحوذت على شحنتي واهتمامي، فكان لابد لي أن أخصص هذا المقال لمناقشتها.

يقول الصديق بشار عباس في لسان حاله: "ضعف الصّلة بالأرض والوطن، وقلّة الانتماء، ربّما هُما من صميم الثّقافة العربيّة الكلاسيكيّة، والأدب العربي، واللاشعور الجمعي العربي، مفهوم الوطن خافت وشبه منعدم..." ويرى الأستاذ بشار أن "الأمثلة لا يُمكن حصرها"، لكنه يكتفي بإيراد ستة أمثلة من الشعر العربي أبرزها قول المتنبي متفاخراً بنفسه: "غنيٌّ عن الأوطان لا يستفزّني / إلى بلدٍ سافرتُ عنه إيابُ."

ويختم الأستاذ بشار لسان حاله بأن يصف الثقافة العربية الكلاسيكية بأنها: "ثقافة هائمة في الآفاق، ترى إلى المكان بوصفه منفعة مؤقّتة، تحتقر الوطن، وبالتالي لا بدّ أن تحتقر المواطَنة التي تقوم بالدّرجة الأولى على تنظيم مزايا ومكاسب الانتماء للمكان."

صحيح أن الأستاذ بشار حاول أن يحفظ خط الرجعة عندما وضع في عبارته كلمة (ربما)، كما تعمد التقديم والتأخير للتخفيف من وقع الاستنتاج الصادم الذي ذهب إليه، لكن لسان حال الأستاذ بشار لا يترك مجالا للتأويل. ولو أعدنا ترتيب مقاطع عبارته وفق علاقة السبب بالنتيجة لوجدنا أنه يقول: إن مفهوم الوطن خافت وشبه منعدم في صميم الثقافة العربية الكلاسيكية والأدب العربي لأن العرب يعانون من قلة الانتماء وضعف الصلة بالأرض. ولو توقف الصديق بشار عند هذا الحد لأعفانا من مناقشة رأيه، لكنه مضى الى ما هو أبعد وأخطر، إذ ختم كلامه بقوله " ثقافة هائمة في الآفاق، ترى إلى المكان بوصفه منفعة مؤقّتة، تحتقر الوطن، وبالتالي لا بدّ أن تحتقر المواطَنة التي تقوم بالدّرجة الأولى على تنظيم مزايا ومكاسب الانتماء للمكان"

يعلم قارئي المتابع أنني لا أقدس ثقافة الماضي بعجرها وبجرها، بل أدعو لموقف نقدي منها يبرز الصالح ويهمل الطالح، إلا أن الاستنتاج، من خلال ستة أبيات من الشعر، بأن ثقافتنا العربية الكلاسيكية "هائمة وتحتقر الوطن" فيه الكثير من الخفة، أما اتهام ثقافتا الكلاسيكية بـ "احتقار المواطنة" فأقل ما يقال فيه أنه لا يقل غرابة وطرافة عن اتهام عنترة العبسي بأنه سبب هزيمة منتخبنا الوطني لكرة القدم في مباراته مع كوريا الجنوبية بمعدل 2/1.

هذا عجيب والله! لم أتصور يوماً أن يصل جلد الذات بنا بحيث يأتي يوم يقوم فيه مخرج وكاتب سيناريو موهوب مثل بشار عباس بوصف ثقافتنا الكلاسيكية بأنها ثقافة " هائمة وتحتقر الوطن... والمواطنة أيضا"!

وبما أن الأستاذ بشار استند في استنتاجه لستة أبيات من الشعر فقد أمضيت صدر نهاري في القراءة وإليكم بعض الأبيات التي يتغنى بها شعراء العربية بحب الوطن

ابن المنذر يقول: "وطني في القلب حيّ خالدٌ / ليس لي عنه بديل أو غنى." وابن الأبار البلنسي يقول:

"فَعَلَيَّ فَلْتَبكِ البَوَاكِي إنَّنِي/أُخْرِجْتُ مِنْ وَطَنِي وَلَسْتُ بِمُجْرِمِ" وابن المقري يقول:" ولا تمنيت طول البعد من وطني/ ولا تبدلت بالجيران جيرانا" وابن حجر العسقلاني يقول: "من سرّهُ وَطَنٌ يَوماً أَقام بِهِ         فَإِنَّني ساءَني مِن بَعدِهِ وَطَني" وأبو العلاء المعري يقول: " فيا وَطَني إنْ فاتَني بكَ سابِقٌ / من الدهرِ فليَنْعِمْ لساكِنِك البال"، والبحتري يقول: "وَأَنّي اليَومَ عَن وَطَني شَريدٌ / بِلا جُرمٍ وَمِن مالي حَريبُ" والحلاج يقول: "أَبكي عَلى شَجَني مِن فُرقَتي وَطَني/ طَوعاً وَيُسعِدُني بِالنَوحِ أَعدائي". وجميل بثينة يقول: "أَنا جَميلٌ وَالحِجازُ وَطَني   فيهِ هَوى نَفسي وَفيهِ شَجَني" وزيد الموشكي يقول: "أفديك يا وطني العزيز بمهجتي / وكريم أولادي وكل قريب" وشرف الدين البوصيري يقول: "طالَ بِي شَوْقٌ إلَى وَطَنِي/       والشَّوْقُ داءٌ لا ذُقْتَهُ قاتِل". ومجنون ليلى يقول: "إِلى أَهلي الكِرامِ تُشاقُ نَفسي / فَهَل يَوماً إِلى وَطَني أُريعُ"

وميسون بنت بحدل تقول: "فما أبْغي سوى وطني بديلا / فحسبي ذاكَ من وطن شريِف"

ولعل أجمل ما قرأت هو قول أبو النصر الهزيمي الإيبوردي: "أرى وطني كعشّ لي ولكن/ أسافر عنه في طلب المعاش".