أستاذنا جورج قيصر
حسن م. يوسف- فينكس
شخصان كان لهما أعمق الأثر في رحلتي مع الحروف؛ الأول هو ابن محافظة طرطوس الشاعر الكبير محمد عمران الذي وثق بموهبتي الأدبية وأطلقني عبر "ملحق الثورة الثقافي" والذي تمر الذكرى الخامسة والعشرون لرحيله يوم غد الخميس، والثاني هو ابن اللاذقية الأستاذ جورج قيصر الذي شجعني على العمل في الصحافة وفتح جريدة "المسيرة" أمامي عندما كنت شاباً غراً، وبعد أن أحلت على التقاعد اقترح على الأستاذ وضاح عبد ربه رئيس تحرير جريدة "الوطن" إطلاق زاوية " من دفتر الوطن" فكانت بمثابة رئة ثالثة أتنفس من خلالها حين يعز الهواء.
لم أنس يوماً أن المرحوم الدكتور رياض عصمت قد نشر أول دراسة مطولة ومعمقة عن تجربتي القصصية بعنوان "القاص غضبان" في مجلة (الشبيبة) التي كان جورج قيصر رئيس تحريرها، وأظن أنه فعل ذلك بتشجيع من الأستاذ جورج، إذ علمت من شاهد عيان أن أحد المثقفين اعترض على النشر قائلاً إن تلك الدراسة التي تزيد عن عشر صفحات من القطع الكبير، أكبر من حجمي وحجم كتابي! فأجابه الأستاذ جورج قائلاً: "نحن نريد للموهوبين من شبابنا أن يكبروا"!
وقد احتضن الأستاذ جورج قيصر في (الشبيبة) و (المسيرة) عشرات المواهب الشابة في الاعلام والأدب والشعر وفتح أمامها آفاق الكتابة والتجريب، ومن بين من احتضنهم الشاعر العراقي الكبير أسعد الجبوري وقد علق أسعد الجبوري على نبأ رحيل الأستاذ جورج على صفحتي في الفيس بوك قائلاً:
"يا له من خبر صادم مؤلم. ليتغمد الرب روحه الطيبة برحمته وله الراحة الأبدية. كان جورج الأستاذ والإعلامي المميز، وهو أول من أتى بي للعمل في الصحافة عندما قام بتوظيفي في جريدة ((المسيرة)) رئيساً للقسم الثقافي ثم مديراً للتحرير. كانت علاقتنا طيبة ورائعة ومتصاعدة نحو الذّروة. وكان متفهماً لكل جنوننا الحداثوي دون تابو أو اعتراض. سنفتقدك يا صديق العمر الجميل."
أحسب أنه من الطبيعي أن يأتي أجمل وأعمق وصف للأستاذ جورج قيصر من صديقه وزميله وشريكه في الحبر والأحلام رئيس تحرير الوطن وضاح عبد ربه:
"عندما التقيت بجورج قيصر مطلع عام ٢٠٠٦ وحدثته عن مشروع «الوطن» لم يكن ليصدق ما أقوله، وخلال العمل على تصاميم الصحيفة وألوانها وإخراجها وصولاً إلى إصدار البروفات الأولية والأعداد الأولى، كان حاضراً طوال الوقت، يراقب ويسأل إن كان هذا المشروع واقعياً فعلاً في دولة غابت عنها الصحافة الخاصة أربعين عاماً آنذاك. ومع ولادة «الوطن» كان الزميل جورج الأكثر فرحة بيننا، حيث عدّها مولوده الأول، وحتى مغادرته كان أول من يصل إلى المكتب، وآخر من يغادر، لم يكن يكتفي بقراءة كل الأخبار، بل كل الكلمات وما بينها وما وراءها، وكان كل الزملاء في الصحيفة يتعلمون منه شغف المهنة وأخلاقها ومخاطرها، وأهم ما تعلمناه منه جميعاً كان ذاك التواضع الذي تميّز به جورج قيصر، حيث لم يغلق بابه يوماً، وكان يستقبل يومياً عشرات الزوار، ويستمع إلى مشكلاتهم، ويعمل على مساعدة الجميع راسماً تلك الابتسامة الخجولة التي لم تفارقه يوماً."
لم تكن ابتسامة جورج قيصر خجولة فقط، بل كان كيانه كله ينضح بالرقة واللطف والدماثة. لكن ذلك كله لم يمنعه أن يعبر عن موقفه بصراحة ووضوح عندما يتعلق الأمر بالوطن البلد وبالوطن الجريدة.
عندما قرر الأستاذ جورج أن يسافر الى أمريكا لرؤية أولاده وأحفاده أدرك الجميع بحسهم الإنساني العميق أن الأستاذ يتقاعد وأن العودة مشكوك بها، لذا قاموا بكتابة نص (إجازة مؤقتة) ووقعوا جميعاً عليها وأنهوها بعبارة مفادها: "سنشتاق لك، لا تطل غيابك عنا".
ذات مساء حصل إشكال بصدد مقالي في الصحيفة، فتذكرت الأستاذ جورج، ومع أنني كنت أستبعد انخراط الأستاذ جورج في الفيس بوك إلا أنني أدخلت اسمه في محرك البحث فوجدت ستة أشخاص يحملون نفس الاسم، أحدهم بلا صورة، ولأنني أعرف مدى تواضع الأستاذ جورج فقد راودني أمل بأن يكون هو، فكتبت له على الخاص قائلاً:
"عذرا لتطفلي، انا حسن م. يوسف. هل حضرتكم الاعلامي القدير جورج قيصر مدير التحرير السابق لجريدة الوطن الدمشقية، ام انه مجرد تشابه اسماء؟"
وعندما رد قائلاً: "نعم يا حسن الغالي أنا هو". كاد قلبي يقفز من صدري. وقد أسعدني التواصل معه بحيث رأيت الجانب الايجابي من مشكلتي، لأنني تجاوزت السبعين من عمري وما تزال بعض مقالاتي تمنع، وهذا يعني أنني ما زلت هاوياً، وأن الشرطي لم يجد كرسياً له في رأسي.
عندما سمعت نبأ رحيل الأستاذ جورج قيصر تذكرت ما قاله نجيب محفوظ في كتابه "أصداء السيرة الذاتية": "الحياة فيض من الذكريات تصب في بحر النسيان، أما الموت فهو الحقيقة الراسخة".