إعلان مهين..

حسن م. يوسف - فينكس

أحسب أن سوق الإعلان عندنا هو الأكثر تسيباً وانفلاتاً من بين كل الأسواق، فصاحب الإعلان يستطيع من خلال سلطان ماله أن يكون الحاكم بأمره في صياغة إعلانه، هو من يحدد ما يريد قوله في الإعلان وهو أيضاً من يقرر شكل ذلك القول وإيقاعه وفكرته، لذا كثيراً ما يكون الإعلان التجاري عندنا تقليداً للحن أغنية رائجة يتم استبدال كلماتها بكلمات أخرى تتغنى بأخلاق المُنتج المراد تسويقه! ونظراً لأن كثير من هؤلاء المعلنين يفتقرون للثقافة الحقيقية لذا قد يجد المشاهد نفسه أمام إعلانات عجيبة تجعل المشاهد ينفر من السلعة المعلن عنها بدلاً من أن يتشجع على شرائها!

قبل سنوات كانت شاشتنا الوطنية شبه متخصصة بإعلانات العلكة والمبيضات وسوائل الجلي، وكم كانت إعلانات العلكة كثيرة في محطاتنا. وقد أثار فضولي إعلان لنوع من العلكة أجد أنه من المفيد أن أذكركم به كي نكون فكرة عن مستواه الفكري والفني. يبدأ الإعلان بلقطة متناهية الطول لحقل من القمح الأخضر يخترقه طريق مزفت، تدخل من يمين الكادر سيارة رياضية حمراء تقودها (حسناء) شقراء مدججة بالحمرة والرموش الاصطناعية. من وجهة نظر الحسناء الشقراء نرى شجرة وحيدة تبرز في عمق السهل الأخضر. توقف السائقة الحسناء سيارتها بالقرب من الشجرة، وتنزل منها، تخرج من صندوق السيارة بلطة ضخمة ثم تتجه إلى الشجرة، وتهوي بالبلطة عليها، فتتساقط منها علكة (كذا).

أصارحكم أنني حاولت مراراً أن أبني علاقة منطقية بين الحسناء والسيارة والبلطة والشجرة والعلكة، إلا أن جميع محاولاتي باءت بالفشل. مما يؤكد صحة قول الأديب الأمريكي الراحل سنكلير لويس: "الدعاية من أهم عوامل الاقتصاد لأنها أرخص طريقة لبيع البضائع، خاصة إذا كانت بضائع عديمة القيمة."

والحق أننا لو شئنا أن نستعرض كل الإعلانات الغبية التي عرضت وتعرض في وسائل إعلامنا المقروءة والمسموعة والمرئية، لاحتجنا لعدة أعداد من هذه الجريدة. لذا سأكتفي هنا بالوقوف عند إعلان غريب أشارت إليه الزميلة الصحفية سعاد جروس على صفحتها في الفيس بوك قبل أيام. وهو إعلان قام بنشره مكتب الشمالي للسفريات في مدينة حماة. وإليكم فيما يلي نص الإعلان بحرفتيه: "جيب بيتنجانة، اقسمها نصين، نص حطو بمي وملح ...ونص حطه بمي وسكر، بعد فترة الأولى رح تصير مخلل والتانية رح تصير مربى. هلق هية نفس البيتنجانة، بس غير بيئة ومحيط، والمحيط هو يلي غيرها. فإذا حبيت تكون مخلل خليك بالبلد، وإذا حبيت تكون مربى اتفضل سافر من عنَّا".

وقد أكد مصمم الإعلان قصده السيء بأن وضع تحت كلمات: "فإذا حبيت تكون مخلل خليك بالبلد" صورة شاب منفوش الشعر متهدل الملامح كما لو أنه يعاني من حالة شلل نصفي واكتئاب شديد، كما وضع تحت كلمات: "وإذا حبيت تكون مربى اتفضل سافر من عنَّا" صورة شخص مستلق في حالة استرخاء فوق كرسي طويل على شاطئ رملي تحلق في جوه النوارس.

لا شك أنه من حق مكتب السفريات أن يروج لبضاعته وأن يشجع الناس على الاستفادة من الخدمات التي يقدمها، لكن إعلان مكتب الشمالي للسفريات لا يدعو الناس للاستفادة من خدماته وحسب، بل إنه يلحق الإهانة بكل أمثالنا من المواطنين الذي يرفضون فكرة مغادرة البلد! فهو لا يتنبأ لنا بأن نصبح مخللاً وحسب، بل يتنبأ لنا بالاكتئاب والشلل، كما يعد من يستفيدون من خدماته بالرفاهية والمن والسلوى.

ترى هل سنشهد قريباً إجراء قانونياً يضع حداً للارتجال في مجال الإعلانات أم أن هذا المجال الحساس سيبقى سائباً كما هو الحال في حارة كل من يده له؟