البارودي شيخ الشباب
حسن م. يوسف - فينكس
كتب لي أحد الصحفيين الشباب يعاتبني لأنني نشرت على صفحتي خبراً عن جائزة فخري البارودي للمؤرخين الشباب عبر مؤسسة تاريخ دمشق، والخبر برأيه لا يعطي القارئ إجابات وافية وشافية على الأسئلة الستة الشهيرة في دنيا الصحافة: ماذا؟ من؟ متى؟ كيف؟ لماذا؟ أين؟ وذكرني بأنني قلت له ولرفاقه في معهد الإعداد الإعلامي قبل حوالي ربع قرن بأن عدم الإجابة على أي من هذه الأسئلة الجوهرية في الخبر الصحفي يعتبر من الأخطاء القاتلة. سألته أين الأخطاء فرد قائلاً: أنتم في إعلانكم تقولون إن مؤسسة
تاريخ دمشق تفتح باب الاشتراك بالدورة الثالثة من مسابقة "جائزة فخري البارودي للمؤرخين الشباب للعام 2021 التي تهدف لتشجيع المؤرخين الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين العشرين والخامسة والثلاثين، على القيام بأبحاث تخص تاريخ مدينة دمشق. وقد ذهبت الى موقع مؤسسة تاريخ دمشق، فوجدت وعداً بمنح الفائزين الثلاثة الأوائل جوائز مالية، خاصة أن بنك الشام يرعى المسابقة، لكن إدارة المسابقة لم تحدد في إعلانها قيمة تلك الجوائز، وهذا لا يشكل نقصاً في المعلومات وحسب، بل يؤثر على مدى انجذاب الباحثين الشباب للمسابقة، لأنه يدعوهم للاعتقاد بأن الجوائز رمزية تقع في خانة المئات!
أعترف أنه ليست لدي فكرة عن قيمة الجوائز المالية التي سينالها الفائزون، لكن الكتابة الجيدة عن دمشق هي بحد ذاتها جائزة. خاصة وأن العملية برمتها تتم في رحاب شخصية مدهشة كفخري البارودي. لهذه المناسبة أود أن أحدث القراء الأعزاء عن مذكراته النفيسة وعن جوانب غير شائعة من حياته. الزعيم السوري الدمشقي فخري البارودي (30 آذار 1887 – 2 أيار 1966) كان عضواً مؤسساً في حزب الكتلة الوطنية، الذي قارع الاحتلال الفرنسي، وسمي بعد الاستقلال الحزب الوطني. كان فخري البارودي مناضلاً في المجال السياسي ونائباً في البرلمان السوري، كما كان شاعراً، وأديباً، ومثقفاً، وباحثاً في أصول الموسيقا الشرقية، ومناصراً بارزا لقضية المرأة، وهو فوق هذا كله واحد من أظرف وأشهر ظرفاء بلاد الشام، وقد وصفه عبد الغني العطري، صاحب كتاب "العبقريات الشامية" بأنه رَجُل في أمّة، وقال عنه المؤرخ سامي مبيض بأنه: "علامة فارقة في تاريخ سوريا المعاصر"
والحقيقة أن فخري البارودي وضع يده على مفتاح التقدم ودعا أبناء وطنه إلى الأخذ به إذ يقول في نهاية النشيد الشهير "بلاد العرب أوطاني" الذي كتبه:
"فهبوا يا بَني قومي / إلى العلياء بالعلمِ / وغنوا يا بني أمّي/ بلادُ العُربِ أوطاني"
يقال إن أمير الشعراء أحمد شوقي زار مدينة دمشق في سنة 1928، وكان برفقته الموسيقار محمد عبد الوهاب. فدعاهم فخري البارودي إلى منزله مع نخبة من الموسيقيين والشعراء المحليين، وعرض البارودي نشيده على عبد الوهاب فاقترح عليه حذف كلمة "تطوان" لأنها لفظة ثقيلة، لا تحتملها انسيابية النشيد، ولكن البارودي لم يقبل بتغييرها لأنها تقع على حدود بلادنا العربية، فمازحه عبد الوهاب قائلاً: "فخري بيه، هوَّا انتا فاكرني ملحن جغرافي؟" فكان تلحين النشيد من نصيب الأخوين فليفل.
لقد ترك البارودي أثراً عميقاً واضحاً على الثقافة السورية، ففي عام 1934 أسس فخري البارودي أول مركز دراسات وأبحاث عرفه العالم العربي يدعى "مكتب البارودي للدعاية والنشر" لتأمين قاعدة إعلامية وفكرية للحركة الوطنية السورية، وهو صاحب مشروع: "صنع في سورية" و"مشروع الفرنك"، وهو من اقترح على صديقه الفنان عبد اللطيف فتحي اعتماد اللهجات المحلية السورية في المسرح بدلاً من اللهجة العامية المصرية. وهو من تبنى الفنان الحلبي الواعد صباح الدين أبو قوس، وأطلق عليه اسم صباح فخري، وهو من ساهم بتأسيس إذاعة دمشق. لكنه قبل هذا وذاك أحد أباء استقلال سورية، كما أنه رجل ظريف لطيف. وخير ما أختم به حديثي عنه هو الواقعة التالية:
في عام 1951 افتتح فخري البارودي “المعهد الموسيقي الشرقي" لتعليم العزف والغناء، ودعا للتدريس موسيقياً من فلسطين يدعى يوسف بتروني. لكن الخلاف سرعان ما شب بين الاثنين، فالبارودي يريد أن يتعلم الطلاب وفقاً لمفتاح الصول الشرقي، والبتروني يريد تعليم الطلاب وفقاً لمفتاح الصول الغربي لأنه باعتقاده يناسب العصر أكثر. وفي أحد الأيام استغل البارودي بقاء البتروني في المعهد عقب انتهاء الدوام، فتسلل خارجاً وأقفل عليه الباب بالمفتاح ومضى إلى بيته. وعندما انتهى البتروني من عمله اكتشف أنه محبوس في المعهد بمفرده، فاتصل هاتفياً بفخري البارودي وطلب منه أن يأتي بالمفتاح ويفتح له الباب، فقال له بتشفٍ: "خللي مفتاح صول ينفعك!"