العشاق في حقل ألغام

حسن م. يوسف- فينكس:

أعرف الزميلة ديانا جبور منذ بداية عملها في الصحافة، عرفتها محررة في جريدة الثورة، وعرفتها رئيسة للقسم الثقافي فيها، عرفتها معدة ومقدمة للبرنامج الحواري الثقافي "طيب الكلام" في الفضائية السورية، وعرفتها مديرة للتلفزيون، ومديرة للمؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني.

 على مدى أربعة عقود من العمل في مجال الثقافة والإعلام انتقلت ديانا من مجال الكلمة المكتوبة الى مجال الإعلام المرئي والمسموع، ثم انتقلت الى مجال الإدارة. صحيح أن ديانا لم تكن يوماً صحفية فقط، فإلى جانب عملها في الصحافة، كتبت خلال ربع القرن الأخيرة عدة أعمال درامية متباعدة. ثم خف إنتاجها الإبداعي بعد تعيينها مديرة لمؤسسة الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني، وعدما أعفيت من منصبها في المؤسسة الحكومية، تلقفتها شركة إيمار للإنتاج الفني وعينتها مديراً عاماً لها، وظننت كسواي أن مشاغل الإدارة لن تترك لديانا أي وقت للكتابة الإبداعية، لهذا فوجئت عندما علمت أن ديانا كتبت مسلسلاً من ثلاثين حلقة بعنوان: "خريف العشاق" إخراج جود سعيد، بطولة أيمن زيدان، محمد الأحمد وحسين عباس وصفاء سلطان وأحمد الأحمد وحلا رجب ولجين إسماعيل. والحق أن ظروف الكهرباء وظروفي لم تسمح لي بمتابعة المسلسل عند عرضه في شهر رمضان الماضي.

المهم هو أنني تمكنت مؤخراً من الحصول على تسجيل لكامل حلقات المسلسل التي شاهدتها خلال خمسة أيام. والحقيقة أن ديانا جبور لم تفاجئني هذه المرة وحسب بل صدمتني بقوة وأعادت غمسي في عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات، التي لم تكن حاسمة من عمر سورية وحسب، بل كانت حاسمة في عمري وعمر كل واحد من أبناء جيلي.

لقد نجحت ديانا جبور وشريكها الإبداعي المخرج جود سعيد، في تقديم حكايات ثلاثة عشاق يقررون الزواج من فتيات من غير دينهم، وعندما تواجه طلباتهم بالرفض، يعقدون قرانهم عليهن رغم معارضة الأهل. وبعد الزواج نتابع تحولات الزيجات الثلاثة، بما فيها من رقة وتمزقات ووعود وخيانات. والحق أن ديانا جبور تمكنت بمهارة وجرأة من أن تضئ، لأول مرة، على مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ سورية والمنطقة، وأن تظهر لنا بأسلوب درامي شيق، كيفية تداخل الهموم الشخصية بالهموم العامة، وسيرورة تحول العشاق إلى قساة، والثوار إلى تجار، في سياق درامي متوتر يحبس الأنفاس، كما لو أنها تدعونا بشكل غير مباشر، كي نبحث في أنفسنا عن الأسباب العميقة للخريف الذي وصلنا إليه.  كما نجحت الكاتبة ديانا جبور والمخرج جود سعيد في جعل أبطال مسلسل "خريف العشاق" يقدمون رقصات درامية جميلة في حقول مزروعة بالألغام، دون أن ينفجر فيهم أي لغم. صحيح أن قصص الحب الثلاثة تبدو في نهاية مسلسل "خريف العشاق" كثلاث باقات من الورود المهروسة، إلا أن ديانا جبور لا تكتب كلمة النهاية إلا بعد أن تطلق قصة حب طازجة بين شابين من الجيل الجديد. في إشارة واضحة منها إلى أن الحب لا يموت إلا كي يولد من جديد. 

أعتقد أن مسلسل "خريف العشاق" يثير قضية اللهجات المحلية في الأعمال الدرامية فرغم تميز أداء كل من الفنانين حسين عباس وصفاء سلطان لدوريهما إلا أنني سمعت صديقاً ديرياً ينتقد لهجة كل منهما ويعتبر أنها ليست ديرية. والحقيقة أنه توجد في كل مدينة سورية أكثر من لهجة واحدة، لذا أرى أنه لا يفترض بالفنان أن يقدم في الفيلم السينمائي أو المسلسل التلفزيوني نسخة متحفية عن لهجة البيئة التي تنتمي إليها الشخصية التي يؤديها، ولا أن ينسخ الواقع بكل تفاصيله، فالواقع الفني يختلف كلياً عن الواقع الموضوعي، ولعل المَخْرَج الأسلم من هذا المأزق هو استخدام اللهجات البيضاء التي تتضمن مفردات محلية مفهومة توحي بخصوصية البيئة المعنية، دون أن تربك الممثل أثناء أداء الدور، ولا تشوش على المتلقي أثناء المشاهدة.