الكوكب الأزرق يستغيث

حسن م. يوسف- فينكس

في ثمانينات القرن الماضي أصدر اتحاد العلماء العالمي الذي أسسه الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل بياناً صادماً بعنوان: "إنذار إلى البشرية" حذر فيه من ثلاثة أخطار محدقة تهدد مستقبل الحياة على سطح الأرض. وقد حصلت يومها على نسخة من ذلك البيان وقمت بترجمته ونشره على صفحة كاملة من جريدة "تشرين". الخطر الأول هو التصحر، الذي سيؤدي لارتفاع درجة الحرارة من 2 الى 5 درجات، الخطر الثاني هو ارتفاع نسبة الإشعاعات النووية وتسربها إلى المياه الجوفية، ومن خلالها إلى الخضار واللحوم والفواكه، مما سيؤدي لازدياد الإصابات السرطانية. الخطر الثالث هو ظاهرة الاحتباس الحراري، وثقب الأوزون، مما سينجم عنه ازدياد الإصابات بسرطان الجلد وارتفاع حرارة الكوكب من درجتين إلى خمس درجات. عندما نشرت ترجمة ذلك الإنذار، قلل أحد الكتاب الهامين من خطورته، لأننا، على حد قوله، "لن نعيش حتى ذلك الوقت". لكننا عشنا وشهدنا وشفنا.

في عام 1992 أصدر علماء البيئة "تحذيراً للبشرية" وقّع عليه أكثر من ألف وخمسمائة من كبار العلماء، من بينهم أكثر من نصف الفائزين بجائزة نوبل من العلماء الأحياء. وقد جاء في ذلك التحذير أن "الجنس البشري والعالم الطبيعي في طريقهما إلى الصدام". وقد كتبت عنه في حينه.أ حسن م يوسف

وعندما عقد مؤتمر المناخ في العاصمة الأرجنتينية قبل نحو ربع قرن، أصدر مركز هادلي للتغيرات المناخية الذي كان يعد من أهم المؤسسات العلمية البريطانية، دراسة مرعبة عن مستقبل الأرض، بالاستناد إلى مليارات العمليات الحسابية التي أجراها حاسوب مركز هادلي، الذي كان آنذاك أضخم كومبيوتر في العالم. وقد ترجمت تلك الدراسة وكتبت مقالاً عنها في الطبعة العربية من مجلة PC Magazin. وقد جاء في تلك الدراسة "إن حرارة الكرة الأرضية ترتفع بسرعة، وأن درجات الحرارة التي سجلت في تلك السنة، هي الأكثر ارتفاعاً منذ أن بدأ توثيق الأحوال الجوية"، وتنبأت الدراسة أن ترتفع حرارة الأرض بمقدار ست درجات مئوية، مما سيؤدي لذوبان قسم من جليد المناطق القطبية، وارتفاع مستوى البحار، إلى 21 سنتيمتراً، وغمر مساحات من اليابسة بالمياه، بحيث يرتفع عدد الأشخاص المهددين ممن يعيشون في المدن الساحلية المعرضة للفيضانات البحرية، من خمسة ملايين في المرحلة الحالية، إلى مائة مليون في عام 2050.

وتنبأت الدراسة بحصول نقص حاد في المياه، وتفشى وباء الملاريا، الذي هو الأخطر بين الأوبئة في تاريخ البشرية، بحيث يهدد مناطق شاسعة من الكرة الأرضية، بما فيها القارة الأوروبية التي ستصبح دافئة بما يكفي لعيش حاملات الوباء! وسيجتاح الجفاف القارة الأفريقية، وسيكون لنتائج التغيرات المناخية، تأثيرات استثنائية سلبية على زراعة القمح والذرة في الحقول الأمريكية، ما سيجعل أمريكا أكثر الدول تضرراً من التحولات المناخية! ومن سخريات الأقدار، أن أمريكا ذاتها، هي المسؤولة عن استفحال هذه الأخطار. فالولايات المتحدة لا تتجاوز 4,5 % من سكان العالم، لكنها تستهلك وحدها 25% من موارد كوكب الأرض، وتنفث 20% من ثاني أكسيد الكربون، والرياح لا جنسية لها ولا يمكن إيقافها عند الحدود لأنها لا تحمل جواز سفر.

كما أن أمريكا كانت ولا تزال هي المعيق الأساسي لاتخاذ قرارات جذرية تساعد على خفض انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي هو سبب تفاقم ظاهرة الانحباس الحراري!

أكدت دراسة مركز هادلي بلغة العلم الهادئة أن الحياة على سطح كوكب الأرض سوف تصل إلى نقطة اللاعودة عام 2050، إذا ما واصل الإنسان استنزاف موارد الكوكب بالوتيرة نفسها، لكن وكالات الأنباء نشرت في الخامس عشر من الشهر الحالي تصريحاً لماركوس ريكس المسؤول عن أكبر بعثة علمية في القطب الشمالي، حذّر فيه من أن "نقطة التحوّل نحو ظاهرة الاحتباس الحراري التي لا رجعة فيها ربما تم تجاوزها بالفعل".

وقال ريكس في مؤتمر صحفي عقده في العاصمة الألمانية برلين إن "تقييم السنوات القليلة المقبلة هو فقط الذي سيحدد ما إذا كان بإمكاننا إنقاذ الجليد البحري في القطب الشمالي الموجود على مدار العام، أو إن كنا قد عبرنا بالفعل نقطة التحول المهمة في النظام المناخي"..."فكتلةُ الجليد خلال الصيف كانت أقل بالنصف مما كانت عليه قبل عقود".

من جانبها، أعربت اختصاصية الجليد القطبي ستيفاني أرندت عن أسفها لأننا "ربما نكون الجيل الأخير الذي سيتمكن من رؤية القطب الشمالي مع الجليد البحري خلال فصل الصيف".

فهل ستستيقظ البشرية من غفلتها، أم أنه لم يبق على سطح هذا الكوكب الأزرق المسكين من صاحب قرار يستمع لصوت العقل!