اللوحة أم الإطار؟
حسن م. يوسف – خاص فينكس
في الساعة الثامنة إلا تسع دقائق من صبيحة يوم الجمعة، الثاني عشر من كانون الثاني البارد، أي في منتصف ساعة ذروة الازدحام الصباحية. خرج من مترو الأنفاق في محطة (إنفانت بلازا) في العاصمة الأمريكية واشنطن رجل يحمل بيت كمان، وقف أمام الجدار الى جانب سلة المهملات، أخرج الكمان من بيته، ووضع البيت مفتوحاً عند قدميه، ثم ألقى في داخله بضعة دولارات وبعض النقود المعدنية لتكون طعماً للمارة كي يجودوا بمثلها. وبدأ العزف.
لم يكن أحد من المارة يعرف أن عازف الكمان الذي يقف أمام الجدار في صالة المترو عند أعلى السلم المتحرك، هو أحد أفضل عازفي الموسيقا الكلاسيكية في العالم، وأنه يعزف مختارات من أكثر المقطوعات الموسيقية أناقةً، بواسطة آلة كمان هي الأغلى من نوعها على الإطلاق. وقد قامت صحيفة واشنطن بوست بترتيب هذا الأمر كتجربة في مجال "السياق والإدراك والأولويات"، بغية توجيه صفعة للذوق العام. وقد قام الكاتب جين وينغارتن بتغطية التجربة.
كان ذلك العازف هو جوشوا بيل الملقب بـ "أسطورة إنديانا الحية" والفائز بالعديد من الأوسمة والجوائز.
لم يعزف جوشوا بيل ألحانًا شعبية شائعة، فالاختبار يقضي أن يعزف مقطوعات موسيقية رائعة، صمدت بقوة ألقها وحدِهِ، لقرون؛ مقطوعات موسيقية سامية تليق بعظمة الكاتدرائيات وصالات الحفلات الموسيقية. في وصفه للعزف قال مراسل واشنطن بوست: "يقال إن آلة الكمان تشبه إلى حد كبير الصوت البشري، وقد كانت ممرات المحطة تلتقط الصوت بطريقة ما وتردده برنين، وكان الكمان بين يدي هذا الموسيقي الماهر، يبكي ويضحك ويغني منتشياً، حزيناً، منزعجاً، مغرماً، مغازلاً، منتقماً، مرحاً، رومانسياً، ممازحاً، منتصراً، مترفاً."
جدير بالذكر أن جوشوا بيل، قبل ثلاثة أيام من ظهوره في محطة المترو تلك، كان قد ملأ مسرح سيمفوني بوسطن الفخم، بالجمهور، حيث تم بيع المقاعد الجيدة بمئة دولار.
قالوا له إن التجربة ستصور بكاميرا خفية، وأن الهدف منها هو اختبار مدى قدرة الناس العاديين على تمييز العبقرية في سياق غير ملائم. أبدى جوشوا بيل عدم ارتياحه لوصفه بالعبقري، لكنه وافق على التجربة، وقرر أن يعزف على كمانه النفيس الذي اشتراه بثلاثة ملايين ونصف المليون دولار، وصُنع يدويًا عام 1713 من قبل الإيطالي المعلم أنطونيو ستراديفاري.
اختار جوشوا ست مقطوعات من أصعب وأشهر الأعمال في تاريخ الموسيقى. وقد وصف محرر واشنطن بوست أداءه لها بقوله: "لقد عزف بحماس بهلواني، وكان جسده يميل مع الموسيقى ويتقوس على أطراف أصابعه عند النغمات العالية."
تبين من خلال الفيلم الذي تم تصويره بالكاميرا الخفية أن مجموع من مروا أثناء عزف جشوا بيل على كمانه هو 1070 شخصًا، قام سبعة وعشرون منهم بتقديم المال له، وقد كان مجمل دخله من عزفه الذي استمر حوالي ثلاثة أرباع الساعة، اثنان وثلاثون دولارًا وبعض الفكة.
عند تقييم التجربة اعترف جوشوا بيل أن "الناس في الواقع كانوا... يتجاهلونني، كما لو أنني شبح" لكن أحد الخبراء قال إن نظرة أعمق للأمور قد تكشف أن المارة الذين كانوا يهرولون مسرعين دون أن يلتفتوا لعازف الكمان الماهر، هم الأشباح. ويؤكد هذا الاستنتاج أحدُ العاملين في المحطة، إذ يتذكر أن أحد المشردين قد وقع ميتاً حيث كان يعزف جوشوا بيل، لكن الناس كانوا يمرون بجثته دون اهتمام، مما يجعل الكاتب يستنتج أن من لا يملك لياقة احترام الحياة من الطبيعي ألا يملك لياقة تقدير الجمال. ثم يتساءل هل يسمو الجمال في بيئة عادية وفي وقت غير مريح؟
أهم ما لفت انتباهي في هذه التجربة التي تنطوي على دلالات خطيرة، هو قول المحرر: "في كل مرة يمر فيها طفل، كان الطفل يحاول التوقف والتفرج على العازف. وفي كل مرة، كان أحد الوالدين يقوم بسحب الطفل ويمضي به مبتعداً". برر أحد الخبراء عدم التفات معظم الناس لعازف الكمان الشهير بكونه قدم فنه خارج إطاره الطبيعي، فلو أخرجنا أشهر اللوحات من إطارها وعلقناها على جدار الممر الذي يفضي الى صالة العرض، فقد لا يلتفت إليها أحد. وهذا يجعلنا نتساءل: هل يشاهد الناس اللوحة أم إطارها.