بوح الكلام.. أهم أسرار سرِّي
في اليوم الأخير من العامِ الماضي فقدتِ اللاذقية واحداً من أبرزِ أبنائِها، هو الأستاذ سري حداد، وقد نعته صفحةُ "اللاذقية بيتنا" بوصفه "واحداً من أفاضِلِ المدينة" ووصفته بأنه "رجلُ الصحافة والوطنية، عضو مجلس الشعب، ومديرُ ماليةِ اللاذقية الأسبق". كما كشف الباحث سامر عوض جانباً ساحراً من شخصية الفقيد سري حداد، الذي كان يتقرب من حبيبتِهِ (زوجتُهُ مُناة الخير) بإهدائِها الكتب. وقال "اليوم ينقُص الراقون واحداً في اللاذقية."
كما كشف صديقُ الفقيد السيد قيس حجازي، أن الفقيد، عندما كان مديراً لماليةِ اللاذقية كان يدفع الضرائبَ عن بعضِ المكلفين، وأنه تقدم باعتراضٍ في اخرِ يومٍ من المهلة القانونية، بدلا عن مكلفٍ لم يعترض، لشعورِ سري بأنه مغبون"
والحقيقة أن سري حداد بالإضافة لما سبق ذكرُهُ، يتمتع بذائقة فنية عالية، وكان يمارس التصويرَ الفوتوغرافي بسوية احترافية، مما يجعل شخصيتَهُ متعددةَ الأبعاد بشكلٍ يغري بالكتابةِ عنها، كما كان يجمع الرصانةَ الى خِفةِ الدم والشجاعة المدروسة التي قد توحي بالتهورِ أحياناً. ففي سبعينات القرن الماضي رشح سري حداد نفسَهُ لعضويةِ مجلس الشعب، وقد مارس الدعايةَ الانتخابية بطريقةٍ مدهشة حدَ الغرابة، إذ وضع في رأسِ بيانِهِ الانتخابي العنوانَ التالي: (بيان سري)، فاستنفرتِ الأجهزة الأمنية في المدينة، وقامت اللاذقية ولم تقعد في ذلك اليوم!
أصارحكم أنني كنت أنوي تأجيلَ الكتابة عن الفقيد سري حداد، لوقتٍ آخر، لأن كثرةَ الكتابة عن الموتى تميت الكتابة، لكنني عدَلت عن تلك النية عندما قرأت نصاً قصيراً ينبُضُ بالحياة، بقلم الراحل سري حداد، نشرت ابنتُهُ الإعلامية أسرار حداد على صفحتِها في الفيس بوك صورةً عنه مكتوبةً بخطِ يدِهِ، وقدمت لها بقولِها:
"بين أوراقِ أبي عثَرت على بعضٍ من طِباعِهِ وأخلاقِهِ بخطِ يدِه".
يعلم قارئي المتابع أنني عادة لا أنقُلُ القصصَ كما أقرأُها أو أسمعُها، بل أعيد صياغَتَها كي أبرزَ جمالَها وأكثفَ ما أود إيصالَهُ من خلالِها. إلا أنني سأتخلى عن هذه العادة، هذه المرة، وسأورد لكم النصَ الذي كتبه الفقيد سري حداد بحرفيتِهِ:
"في دمشق، وعلى بابِ أحدِ المستشفيات، وقفت منتظراً طبيباً صديقاً، وصادف وجودُ بسطةٍ فيها بعضُ الكعك واشباهِهِ... ورغم أنني ألبَسُ بدلة وكرافات... وشكلي الذي يميل الى السمنة، أو ما يسمونه "كرش الوجاهة"، وعمري الذي يميل الى آخرِهِ. سألتني: هل هذا الكعكُ لك، فلم أعرف بماذا أجيب. فأعادتِ السؤال، فأجبت: نعم. قالت: سآخُذ واحدة.
قلت: خذي. سألتني: كم ثمنُها؟ ولما كنت لا أعرف ثمَنَها قلت: إننا اليوم نوزع الكعكَ مجاناً. فأشارت الى كيسٍ تحملُهُ أن ضع واحدةً ثانية، ففعلت. قالت: أنا ممرضة في هذا المستشفى إن كنتَ تحتاج شيئاً. قلت: الحمد لله لا أحتاج. قالت: إن لي ثلاثةَ أولاد. قلت: خذي ثلاثة. قالت: ولي صديقة عندها أربعةُ أولاد، وفتحت كيسَها، فوضعت فيه خمسةً حتى أتمت العشرةَ كعكات.
كعكاتٌ أدخلتِ السعادةَ لي ولها ولبائعِ الكعك ذي السنواتِ العشر، بعد أن دفعت له الثمنَ طبعاً."
أعتقد أن هذه القصة البسيطة تضعُنا أمام أهمِ أسرارِ شخصيةِ الفقيد سري حداد، ألا وهو لُطفُ روحِهِ كإنسان. فاللطفُ كما يقول المثلُ الأفريقي "هو اللغة التي يمكن أن يراها المكفوفون ويسمعُها الصُم."
للفقيد اللطيف سري حداد الذكرُ العطر، ولزوجتِهِ الشاعرة مناة الخير، وابنِهِ المخرج السينمائي أمين، وابنتِهِ الإعلامية أسرار، أحرُّ التعازي القلبية.
نعم ،يموت اللطفاء ويبقى لطفهم حياً بعدَهم.
حسن. م . يوسف
سوريانا إف أم