العروبة كمفهوم جامع
حسن م. يوسف
قبل أكثر من ثلاثين عاماً تشكلت لدي قناعةٌ راسخة بأن العرب يستطيعون الخروجَ من التاريخ كُلٌّ بمفردِهِ، لكنهم لن يدخُلوا التاريخَ إلا مجتمعين. وقد أوردت هذه الفكرةَ في غيرِ مقالٍ ولقاء، خلال العقودِ الماضية، وكُنت في كُلِ مرة أزداد اقتناعاً بها، فالمعارف التي اكتسبتها البشريةُ في مجالِ علمِ الوراثة بعد اكتشافِ الخريطةِ الوراثية للإنسان، أثبتت دون أي مجالٍ للشك أن النقاءَ العرقي وهمٌ بكُلِ معنى الكلمة، حتى في البلدان التي لم يمضِ على اكتشافِها سوى مئاتِ السنين، فما بالكم بمنطقتِنا التي يزيد عمرُها الحضاري عن عشرةِ آلاف عامٍ لم يبق خلالَها طامعٌ في العالم إلا حمل سيفَهُ وجاء كي ينهبَ خيراتِ أرضِنا ويستفيدَ من موقعِها في قلبِ العالم. وقد ذاب كثيرون من الغرباء فينا وأصبحوا منا. ومن عادوا الى بلدانِهِم، تركوا مورثاتِهِم خلفَهُم. لذا فأيُّ حديثٍ عن نقاءِ عرقٍ ما، يناقض الحقيقةَ وعلمَ الوراثة. ومن شأن الدعوة للتمسك بالنزعة العرقية أن تفتِتَنا الى أقلياتٍ وأكثرياتٍ متضادةٍ ومتنافرة.
أما الدعوة للتمسكِ بالنزعةِ الدينية فمن شأنِها أن تفرقَ أبناءَ منطقتِنا إلى طوائفَ ومذاهبَ وعصبيات مختلفة، إذ جاء في الموسوعة المسيحية العالمية أنه يوجد في العالم 10000 دين متميز، منها 150 ديانة فقط يبلغ عددُ المؤمنين بها مليونَ فردٍ فأكثر، وتوجد ضمن المسيحية 33830 طائفة مختلفة، أكبرُها الكاثوليكية، وأصغرُها الشيكرز التي تأسست في بريطانيا في القرن الثامن عشر، والحال في أوساط الأديان الأخرى لا يختلف كثيراً!
أعتقد أن الضمير هو بيتُ الأخلاقِ القديم قدم الإنسان على هذه الأرض، لكن ثمة من يعتقد بأن الأديانَ هي مصدرُ الأخلاق، فلولاها لما ارتدع البشرُ عن اقترافِ الجرائم وفعلِ الموبقات، وقد أشاد فولتير بالتأثير الإيجابي للتدين إذ قال: «إنني أريد أن يؤمنَ محاميّ وخياطي وخدمي، بل حتّى زوجتي، بالله، لأن ذلك يعني أن فُرصَ تعرضي للغِش والنهب وتدنيسِ العرض، ستكون أقل». وقد أعاد نابليون بونابرت صياغةَ رأي فولتير بكلماتٍ أخرى، إذ قال "الدين هو ما يمنع الفقراءَ من اغتيالِ الأغنياء."
ويرى معظمنا أن التدينَ هو أساسُ الأخلاق التي تحفظ تماسكَ المجتمعات، لكن بعضَ مَن يروجون لهذا القول، لا يترددون في تركِ بلدانِهِم عند أولِ فرصة، والذهابِ للعيشِ في (بلاد الكفار)!
ما لا شك فيه أن التدينَ قد يساعد على ضبطِ المجتمعات، لكن امتناعي عن سرقةِ محلِ الصائغ بسبب وجودِ شرطي أمامه، لا يعني أنني أخلاقيّ، فالأخلاقُ هي التي تنبُعُ تلقائياً من نفسِ الإنسان.
والحقيقة أن نماذجَ التنمية الناجحة في بلدانِ المسلمين هي التي تبنَّت العلمانيةَ ونظرت إلى الدين كعلاقةٍ عمودية بين المخلوقِ والخالق، لا كعلاقةٍ أفقية بين الفرد وسواه.
والحق أن مجتمعاتِنا تعيش حالةَ انفصام، فالمتعصبون لهذا الدين أو ذاك، يتمسكون بالقشور ويهملون الجوهر. وقد أشار الكاتب أمين معلوف الى هذا الأمر إذ قال: "وانا أرى اليوم أنّ البشر يستوحشون ويقتُلون بعضَهُم ليثبتوا أنّ الدينَ الذي وجد ليمنَعَهُم من أن يكونوا وحوشاً هو الدينُ الصواب."
أحسب أنه لا خلاصَ لهذه المنطقة إلا بالبحثِ عن مفهومٍ ثقافيٍ وأخلاقي، يجمع أبناءَها ولا يفرقُهُم، وقد وجدت أن مفهومَ العروبة، كثقافة، لا كعرق، هو الأنسبُ والأصلح ليكون قلبَ هذا المفهوم، وأنا أنطلق في هذا من حديثٍ شريف لنبيِّنا محمد (ص) يقول فيه: "ليست العربيةُ لأحدِكُم بأبٍ ولا أم، من تكلم العربيةَ فهو عربي"، وغالبيةُ السوريين، الأكراد والأرمن والآشوريون والسريان والإيزيديون، يتكلمون العربية.
صحيح أن بعض الرواة يصنفون هذا الحديثَ الشريف كحديثٍ (ضعيف)، رغم ذلك فمن حقِّنا وواجِبِنا أن نتمسكَ بالعروبة الثقافية كمفهومٍ جامع، لأنه يتسع لنا جميعاً ومن شأنِه أن يساعدَنا على أن يكون لنا كيانٌ قوي في عالمٍ لادين له سوى القوةِ والغلبة، غير أنني لا أقترح احتضانَ مفهومِ العروبة كما كان، ولا كما هو متداول حتى الآن، بل أدعو لإعادةِ بنائِهِ وتطويرِه كي يصبحَ بعيداً عن كافةِ أشكالِ التعصبِ العرقيِ والثقافي، كما يليق بنا وبما يناسب عصرَنا.
* أذيع صباح اليوم على هواء سوريانا إف إم.