بين صعود البديل وهاجس الترحيل.. ماذا ينتظر السوريين في ألمانيا؟
مصطفى علوش
2026.09.01 | 06:52 دمشق
للأمانة، أليس فايدل، زعيمة حزب البديل، تملك وجهًا جميلًا، وذلك بعكس تصريحاتها الإعلامية الأخيرة التي قالتها ضدّ كل السوريين الموجودين على الأراضي الألمانية، مجنّسين ومقيمين، حيث طالبت بترحيل الجميع إلى بلدهم الأم.
ولكي تكمل هذا التصريح الغريب والمرعب، أضافت بأن 306 آلاف من المجنّسين عاطلون عن العمل، وهنا فهم المتابع الألماني للقاء أن هذا الرقم يخصّ السوريين فقط. والحقيقة أنه استند إلى إحصائية رسمية مأخوذة من عام 2025، ولكن هؤلاء العاطلين عن العمل لم يكونوا فقط سوريين، إنما ينتمون إلى العديد من الجنسيات.
تستند فايدل في حديثها ضدّ السوريين إلى إحصائيات تخصّ العنف والإجرام الواقع في ألمانيا، وهنا لم تخطئ في سرد الأرقام وتحديد النسب من المجرمين الذين ارتكبوا جرائم قتل، خاصة عبر استخدام السكين.
وللأسف، فإن عدد المجرمين السوريين الخطرين الواجب ترحيلهم كبير، وحتى تاريخه لم تنجح الحكومة الألمانية سوى بترحيل شخصين فقط من هؤلاء.
في نفس اللقاء، هاجمت فايدل الحكومة الألمانية، وقالت بالحرف: إن هذه الحكومة تكذب، وجوهر سياستها الكذب، وإنها سبب كل الأزمات الحالية. إنها تخرّب ألمانيا.
لنبقَ في موضوعنا وهمّنا، حيث الخوف يلازم السوري، هاجر أم لم يهاجر. قلة قليلة من السوريين وصلت إلى أوروبا بطريقة نظامية وشرعية، بينما أغلبية اللاجئين قدموا تهريبًا، وصارت تسمية موجات لجوء السوريين أعوام 2015 و2016 وما تلاها مصطلحًا معروفًا في الإعلام الألماني.
إن نسبة تفوق النصف من السوريين تمكّنوا من اجتياز عقبة اللغة والاندماج، ودخلوا سوق العمل، وتمكّنوا بجهودهم من الحصول على الجنسية.
الترحيل بين المخاوف والواقع
صرفت حكومة ميركل والحكومات التالية مليارات لتأهيل وتدريب اللاجئين على اللغة والاندماج، ولكن أغلبية أصحاب القنوات الإعلامية على اليوتيوب، ومنذ تلك الأيام، لم يملّوا من اختيار عناوين مرعبة لجذب المشاهدات، وكانت أغلبية العناوين فحواها ترحيل السوريين.
كان اللاجئ يتعلّم اللغة الألمانية وعينه على الأخبار، وكلما سمع عبارة ترحيل السوريين، يمسك قلبه بيده، وينظر إلى نفسه وأسرته، ويتخيّل ذاتيًا الترحيل.
رغم الخوف، فإن نسبة تفوق النصف من السوريين تمكّنوا من اجتياز عقبة اللغة والاندماج، ودخلوا سوق العمل، وتمكّنوا بجهودهم من الحصول على الجنسية.
السوري، يا فايدل، ليس قطعة أثاث أو منتجًا صناعيًا يمكن لك ولحزبك أن تعيديه أو ترحّليه أو تشحنيه، مثل البضاعة، متى أردتِ إلى بلده، والسوري ليس حجرًا، هو قبل كل شيء إنسان مثل غيره من البشر، وتحميه اتفاقيات حقوق الإنسان، وحين عَبَر مئات الآلاف منهم البحر وخاطروا بحياتهم للوصول إلى ألمانيا، كانت غايتهم الأمان.
نعم، هناك نسبة من السوريين هنا، وعددهم ربما بالآلاف؛ تتهرب ضريبيًا، وتعمل بالأسود، وتغش في المعلومات، وتشعر بالعداء لهذا البلد، ونضيف إلى هؤلاء ما يفعله بعض المتطرفين من السوريين من أجل تخريب قواعد الحياة العامة، والنظر إلى هذا البلد وكأنه ساحة لتوزيع الغنائم.
بين الاندماج وصعود اليمين
لكن معالجة وضع هؤلاء أولًا تقع على مسؤولية الحكومة الألمانية، فلماذا لا تشدّد الحكومة الرقابة جيدًا على أسواق العمل بالأسود؟ ولماذا لا تراقب كثيراً من أماكن العمل المشبوهة حيث غسيل الأموال؟ ولماذا لا تشدّد القوانين مع محاسبة المجرمين وتجاه الخطرين؟ لماذا لا تسرّع في ترحيل المجرمين؟
لا أحد يستطيع إنكار الوجه المظلم من الحقيقة، لكنْ هناك وجهٌ آخر، وهو أن نسبة تفوق النصف من السوريين تعمل، وهي جزء أساسي من قوى الإنتاج، خاصة في القطاع الصحي والخدمي والاجتماعي، وهي لا تتلقى معونات اجتماعية، وهؤلاء اندمجوا بالحياة هنا ويريدون متابعة حياتهم.
هؤلاء بنوا حياة جديدة هنا، وليس من السهل أن يؤسس الإنسان حياة جديدة في هذا البلد، فالتحديات كانت كبيرة وصعبة: تعلّم لغة جديدة، اندماج، إيجاد فرصة عمل، إلخ، وموضوع العودة إلى سوريا هو موضوع طوعي واختياري.
إذا تركنا تصريحات فايدل جانبًا، وراقبنا تصريحات بعض المؤيدين للحكومة الانتقالية السورية وتعليقاتهم النارية على أغلبية المنشورات الناقدة، وبعضها من عيار: إذا لم تعجبك البلد ارحل! وهي تذكّرنا، للأسف، بعبارات الشبيحة الأسديين التي كانت تحمل المعنى نفسه.
هذا يعني أن أليس فايدل تريد ترحيل السوريين كلهم إن تسلّمت الحكم في ألمانيا، وفي سوريا هناك من يقول لكل سوري ينتقد الحكومة: ارحل، فلكم أن تتخيلوا مدى التعاسة والحزن والخيبة في القلوب.
يعني لا الألمان، بحسب فايدل، يريدوننا، ولا أهل بلدنا من بعض المؤيدين يريدوننا.
رسالتي للسوريين الحاصلين على الجنسية أن يشاركوا وبقوة في الانتخابات، والأمل أن لا ينتخب بعضهم حزب البديل الذي ينوي طردهم.
هل تتكرر مأساة السوريين؟
ما الحل؟ هل نطالب العلماء باختراع جديد لتركيب أجنحة اصطناعية لنا لنعيش على الأشجار؟ أو ربما المطلوب من السوريين مرة أخرى إعادة تجربة عباس بن فرناس؟ أم نطالب الفلاسفة بإعادة تعريف الأخلاق بما يتناسب وحجم الكارثة النفسية التي نعيشها؟
ما أنا واثق منه
ما أنا واثق منه تمامًا، هو أن الناخب الألماني في مقاطعة ساكسن أنهالت وغيرها، سيعيد النظر قريبًا في خياراته، وإذا حدث ونجحت فايدل وحزبها في تشكيل الحكومة المحلية في مقاطعة "ساكسن أنهالت" في انتخابات شهر أيلول المقبل، فإن الواقع ومآلات وعودهم ستختبرها الناس لاحقًا على الأرض، وسوف يكون للناس كلام آخر بعد عدة أشهر من تسلّم البديل للحكم هناك.
أما بقية الأحزاب الألمانية، فعليها الآن مراجعة كامل سياساتها للتصدي لسياسات البديل الحمقاء والجنونية.
وأعتقد أن أكبر غلط ترتكبه حكومة ميرتس هو الذهاب بعيدًا في حماية الأغنياء وكبار الشركات، وتقليص الدعم لصناديق الضمان الاجتماعي والصحي.
أما رسالتي للسوريين الحاصلين على الجنسية فهي أن يشاركوا وبقوة في الانتخابات، والأمل أن لا ينتخب بعضهم حزب البديل الذي ينوي طردهم.
تلفزيون الثانية