الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"

فراس حمدون

أود التنويه إلى أن ما أطرحه يستند إلى خبرتي المهنية كمهندس عملت في بلدية حماة، ضمن مجال المخططات التنظيمية والقوانين المرتبطة بها، ولذلك قد لا تكون بعض الجوانب القانونية دقيقة بشكل كامل.
و حاولت بسردية واقعية وعلمية التطرق لاشكاليات قد تهم المجتمع او الأفراد بمدينتي حماة وليس الهدف هو النقد لأن أي إيجابيات سيحملها هذا القرار مستقبلا للبلد مرحب به.
وأعتذر عن الاطالة والتوسع لتحقيق اكبر فائدة.
عمليات التحديد والتحرير للعقارات في مدينة حماة خلال فترة الانتداب الفرنسي لم تكن مجرد إجراءات عقارية تقنية، بل كانت ركيزة أساسية اعتمدتها سلطات الانتداب لإعادة تنظيم الملكية والسيطرة على المجال الحضري والريفي قبل الشروع في "المخططات التنظيمية" الكبرى.
وهنا أورد أهم المعلومات المتوفرة حول تلك المرحلة والسياق الذي تمت فيه:
1. الإطار القانوني (القرار 186 لعام 1926)
بدأت هذه العمليات بشكل فعلي بعد صدور القرار رقم 186 في 15 آذار 1926 من قبل المفوض السامي الفرنسي (هنري دي جوفنيل). هذا القرار كان بمثابة "الدستور العقاري" الذي نقل سورية من نظام "الطابو" العثماني (الذي كان يعتمد على الوصف الكلامي وغالباً ما يفتقر للخرائط الدقيقة) إلى نظام السجل العقاري الحديث (المسح الفني).
2. طبيعة العمليات في حماة
قبل وضع المخطط التنظيمي العام للمدينة، كانت عمليات التحديد والتحرير تهدف إلى:
• تثبيت الملكيات: تحديد حدود العقارات بدقة هندسية (باستخدام أجهزة المساحة) وإنهاء النزاعات بين الناس.
• إلغاء نظام المشاع: سعت فرنسا إلى تحويل الأراضي المشاعة حول حماة إلى ملكيات فردية لتسهيل فرض الضرائب وجعل الأراضي قابلة للتداول والرهن.
• خلق قاعدة بيانات للمخطط التنظيمي: لم يكن من الممكن رسم شوارع حديثة أو ساحات دون معرفة الاجابة على سؤال هام جدا "من يملك ماذا"؛ لذا كانت المصورات العقارية الناتجة عن التحديد والتحرير هي الخرائط الأساسية التي بنى عليها المهندسون الفرنسيون (مثل إيكوشار) مخططاتهم لاحقاً.
و بالمناسبة إيكوشار هو أشهر مخطط مدن في العالم.
3. الأهداف "الأمنية" للتنظيم
تشير الدراسات التاريخية إلى أن التحديد والتحرير وتخطيط المدن في حماة كان لهما بعد أمني، خاصة بعد انتفاضة حماة عام 1925 (ضمن الثورة السورية الكبرى).
• كانت الأحياء القديمة في حماة (مثل أحياء الحاضر والبارودية) عبارة عن أزقة ضيقة تعيق حركة القوات الفرنسية.
• عمليات التحديد سهلت لاحقاً شق "الطرق المستقيمة" التي تسمح بمرور الآليات العسكرية والسيطرة على التجمعات السكانية.
4. وضع المخطط التنظيمي (مرحلة ما بعد التحديد)
بعد الانتهاء من مسح أجزاء كبيرة من المدينة وتثبيتها عقارياً:
• تم تكليف مهندسين فرنسيين بوضع مخططات حديثة، وكان أشهرهم ميشيل إيكوشار (Michel Écochard).
• الخلاصة:
أن عمليات التحديد والتحرير في حماة (1926-1935) كانت "المرحلة الصفرية" التي مكنت فرنسا من تفكيك البنية الاجتماعية القديمة وإحلال نظام ملكية فردي حديث، والذي بدونه لم يكن لينجح أي مخطط تنظيمي للمدينة.
اذا هل يترتب على قرار وزارة الأوقاف بالعودة إلى سجلات الملكية العائدة إلى زمن الدولة العثمانية آثار أو تداعيات قانونية وعملية ملموسة
سوف تثير هذه النقطة جدلاً قانونياً وتاريخياً واسعاً في سورية، وتحديداً في مدن مثل حماة التي كانت تضم مساحات شاسعة من "أراضي الأوقاف".
يجب التمييز بين قوة السجل العقاري النهائي وبين شرعية الأساس القانوني الذي بني عليه.
تحليل الأثر المتوقع للعودة إلى الأرشيف العثماني على القرار 186 لعام 1926:
1. مبدأ "قوة الثبوت القطعية" للسجل العقاري
القرار 186 لعام 1926 أرسى قاعدة قانونية صارمة وهي أن السجل العقاري (الصحيفة العقارية) لها قوة إثبات مطلقة. بمجرد انتهاء عمليات التحديد والتحرير وصدور قرار القاضي العقاري، يعتبر هذا الحق نهائياً تجاه الكافة، ولا يجوز الطعن فيه إلا في حالات محدودة جداً (مثل التزوير أو الخطأ المادي الجسيم في بعض الحالات).
و هي أسباب لا أظن متوفرة حاليا بعد ١٠٠ عام.
• الأثر: من الناحية القانونية الصرفة، العودة للأرشيف العثماني لا تُلغي تلقائياً القيود المسجلة في السجل العقاري السوري الحالي، لأن "التحرير" الفرنسي كان يهدف أصلاً لجبّ (قطع) ما قبله من قيود عثمانية غير دقيقة.
2. التوصيف القانوني لأراضي الأوقاف (الذري والخيري)
في حماة، كانت الكثير من الأراضي مسجلة كأوقاف ذرية (للعائلات) أو خيرية في السجلات العثمانية. خلال عمليات التحديد والتحرير في العشرينيات:
• إذا لم يتقدم متولي الوقف بطلب تثبيت الوقف أثناء فترة التحديد والتحرير، فغالباً ما سُجلت الأرض كـ"ملك صرف" للأفراد أو أملاك دولة.
• الأثر: العودة للأرشيف العثماني قد تظهر "حقوقاً ضائعة" للوقف، لكن قانونياً، مرور الزمن واكتساب القيود العقارية للدرجة القطعية يمنعان استردادها بسهولة إلا بصدور تشريعات خاصة (قوانين استثنائية) تسمح بإعادة النظر في القيود بناءً على وثائق الأوقاف القديمة.
3. إشكالية "أراضي الموات" و"المتروكة"
القرار 186 وقبله القانون العقاري الفرنسي غيرا تصنيف الأراضي من النظام العثماني (ميري، متروكة، موات، ملك) إلى نظام أكثر تبسيطاً.
• كان الأرشيف العثماني يعترف بحقوق استغلال واسعة للمشاع والأوقاف.
• الأثر: إذا تم إثبات أن أرضاً معينة كانت "وقفاً صحيحاً" في الأرشيف العثماني وتم تحويلها إلى "أملاك دولة" في مخططات 1926، فإن العودة للأرشيف تخلق أزمة ملكية بين وزارة الأوقاف والجهات الحكومية الأخرى، ولكنها لا تكسر الإطار القانوني لعام 1926 إلا بقرار قضائي من "المحكمة العقارية" في حال ثبت وجود غش أو إغفال متعمد لحقوق الوقف.
الخلاصة
القانون السوري الحالي لا يزال يعتبر قيود التحديد والتحرير لعام 1926 وما بعدها هي المرجع النهائي.
العودة للأرشيف العثماني قد تخدم في "تفسير" أصل الملكية أو المطالبة بتصحيح أخطاء مادية، لكنها لا تستطيع هدم الإطار القانوني الذي استقر عليه العمل العقاري منذ قرن، لأن ذلك سيؤدي إلى انهيار منظومة الملكية العقارية برمتها (فقدان الثقة بالسجل العقاري).
بمعنى آخر: الأرشيف العثماني يمثل "الحقيقة التاريخية"، بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة".