الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه
أنس حمدون
أعتذر مسبقًا عن طول هذه المشاركة، لكن الإطالة كانت ضرورة لسرد حكاية مؤلمة عن اضطهاد قاسٍ عانى منه إخوتنا الأكراد لعقود طويلة. أتمنى أن تجدوا الوقت الكافي لقراءتها والرغبة بمشاركتها، لنقيم معًا الحقيقة و لنرفع الظلم عن إخوتنا الأكراد المضطهدين في وطنهم.
يعتقد أن كلمة "الأكراد" مشتقة من الكلمة الفارسية القديمة "كُورت"، "kurt" أو "كُرد" التي كانت تستخدم للإشارة إلى سكان المناطق الجبلية في غرب آسيا والذين يطلق عليهم المؤرخ اليوناني زينفون عام 401 ق م في كتابه "المسير" لقب "Carduchoi" التي يمكن تعربيها ب "كردوخيين" أو "سكان الجبال".. ويصفهم بأنهم شعب جبلّي محارب، يعيشون في مناطق وعرة ويقاومون أي سلطة خارجية.
من الناحية العرقية ينتمي الأكراد للشعوب الهندو- الأوربية و يعتبرون من أقدم الجماعات البشرية التي سكنت في غرب آسيا في مساحة تغطي حسب الجغرافيا الحديثة مناطق شاسعة من تركيا، إيران، العراق، سوريا وصولاً إلى أرمينيا، أذربيجان وحتى جورجيا.. ومن الصعب أن نجد في التاريخ مثالا عن حضارة أو دولة ذات طابع قومي كردي بحت باستثناء الحضارة الميدية التي نشأت في غرب إيران الحالية خلال القرن السابع قبل الميلاد.. ولكن من المستحيل أن نجد مثالا عن اي حضارة نشأت في هذه الدول أو في المنطقة بشكل عام ولم تكون الشعوب الكردية جزءاً أساسياً منها.
نوروز او النيروز هو عيد رأس السنة الكردية وويُحتفل به في 21 مارس من كل عام، ويتزامن مع الاعتدال الربيعي. يُعد عيدًا قوميًّا وثقافيًّا للأكراد، ويرمز إلى التجدد والحرية والانبعاث ويرتبط بالتقاليد الزرادشتية القديمة. أما في الأساطير الكردية، فيرتبط نوروز بقصة كاوا الحداد الذي قاد ثورة ضد الملك الظالم ضحاك، لذا يعتبر "نوروز" يوم انتصار الحرية على الظلم. السنة الحالية هي 2725 وفقًا للتقويم الكردي الذي يبدأ حسابه من عام 612 قبل الميلاد، الذي شهد سقوط الإمبراطورية الآشورية على يد التحالف الميدي-البابلي، والذي يُعتبر حدثًا تاريخيًا محوريًا في تاريخ الأكراد.
نقفز في الزمن إثنا عشر قرناً لنشهد سقوط الإمبراطورية الساسانية ودخول الإسلام إلى مناطقهم، حيث اعتنق الأكراد الإسلام تدريجيًا وانخرطت بعض القبائل الكردية في جيوش الخلافة الإسلامية، مما ساهم في انتقالهم نحو دمشق ومن بعدها الاستقرار حول حلب وحماة، حيث خدموا بداية كقوات حامية قبل أن يمارسوا فيها المهنة الثانية التي اشتهروا بها عبر التاريخ وهي زراعة الحبوب.
تصاعد دورهم خلال فترة حكم السلاجقة لسوريا نتيجة لمهاراتهم العسكرية فشاركوا كجنود وقادة في الحروب ضد الصليبين والفاطميين وأسّسوا إمارات محلية ذات حكم ذاتي ازدهرت ثقافياً. وقد ساهمت هذه الإمارات في ترسيخ وجودهم في المنطقة ومهدت لصعود العديد من القادة العسكريين الأكراد ضمن صفوف الجيش الزنكي، ومنهم أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي، مؤسس الدولة الأيوبية والغني عن التعريف.
الدولة الأيوبية لم تكن ذات صفة قومية كردية وإنما كانت، دولة إسلامية سنية اعتمدت اللغة العربية في كافة المناطق التي تحت حكمها ورغم الاعتماد على الأكراد إلى حد كبير في القيادات العسكرية العليا لم يكن هناك حضور للطابع الكردي في بنية الدولة الأيوبية المدنية أو في هويتها الثقافية.
ومن بعدها عاش الأكراد في ظل الدولة المملوكية ومن ثم العثمانية ما عاشته شعوب سوريا الآخرى العربية منها وغير العربية مع استمرار دورهم العسكري في مناطق نفوذهم والتي تمتعوا فيها بالحكم الذاتي معظم الأوقات. أما في المدن الكبرى وبخاصة في دمشق وحلب وحماة، فقد كان الأكراد مكوناً اساسياً لمجتمعاتها إذ كانت بعض العائلات الكردية من اكبر واشهر عائلات هذه المدن وبات من الصعب تمييزها في جميع طبقات المجتمع عن غيرها من العائلات ذوات الأصول العربية.. ورغم الاندماج الكامل والذي تجلى بالتعريب الطوعي لمعظم اسماء العائلات واسماء أبنائها، حافظ غالبية الأكراد في هذه المدن على بعض طقوسهم الاجتماعية والثقافية المرتبطة بعادات الزواج والألبسة والطبخ والموسيقى وبعض الأعياد الخاصة مثل النيروز واستمر بعضهم وكانوا أقلية باستخدام اللغة الكردية في المنزل وضمن العائلة.
في القرن التاسع عشر، انتقلت عدوى القوميات من اوربا إلى أطراف الدولة العثمانية بعد ترويج أوربي مكثف و ممنهج لافكار القومية المرتبطة بالعرق واللغة والتي كان الهدف منها تفكيك الدولة العثمانية من الداخل والتي أدت لنشوء حركات قومية مثل اليونانية والبلقانية وطبعا العربية. وفي لاحق بدأت تتكون بذور فكرة القومية الكردية، التي نمت بشكل أبطأ من القومية العربية إلى أن تسارع صعود الفكر القومي التركي الذي أدى إلى عزل السلطان عبد الحميد ونقل تركيا لمرحلة جديدة من التطرف القومي الذي استهدف جميع الأقليات العرقية في الأراضي التركية وبشكل خاص الأكراد الذين قاوموا سياسة التتريك العنصرية.
أما في منطقتنا، فقد كان جبل لبنان مهد الفكر القومي العربي حين بدأ بطرس البستاني وفارس الشدياق بالحديث عن مشروع النهضة الثقافية العربية في النصف الاول من القرن التاسع عشر واكتسبت هذه الدعوة بعدا سياسيا مع عبد الرحمن الكواكبي الذي يمكن ان يعتبر اول رواد الفكر القومي العربي السياسي.
واستمر صعود الفكر القومي العربي في سوريا بعد الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية وتأسيس المملكة العربية السورية التي قضى عليها الانتداب الفرنسي قبل أن تكمل من العمر خمسة أشهر وبدأ بتطبيق سياسة “فرق تسد” معتمداً على دعم الأقليات للحد من نفوذ القومية العربية المقاومة للاحتلال الفرنسي ولمشروع التقسيم. ورغم محاولات فرنسا استمالتهم بسياسات التفرقة، رفض الأكراد الانجرار وراء هذه السياسات وأثبتوا انتماءهم للنضال السوري من أجل الاستقلال، فكان لهم دور بارز في دعم ثورة 1925 ضد الانتداب الفرنسي حين شاركوا بفعالية في المعارك إلى جانب باقي مكونات المجتمع السوري. انضم الأكراد إلى صفوف الثوار بقيادة سلطان باشا الأطرش، مقدمين الدعم العسكري واللوجستي، ومؤكدين على وحدة المصير الوطني. لكن فرنسا استمرّت لمدة عقدين باستغلال التوترات العرقية لتعزيز سيطرتها، مما ترك أثرًا طويل المدى على العلاقات بين الأكراد وبقية المكونات السورية.
بعد الانتصار السياسي الكبير الذي حققته الكتلة الوطنية عام 1943, أصبح شكري القوتلي أول رئيس منتخب لسوريا يتبنى الفكر القومي العربي و ارتفعت وتيرة المزاودة بالقومية العربية بين الأحزاب السورية بجميع اطيافها بعد الاستقلال حتى بلغت ذروتها بالوحدة مع مصر و قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 و التي أصدر فيها جمال عبد الناصر مرسوم الإصلاح الزراعي مكلفاً بتطبيقه مصطفى حمدون الذي كان وزير الزراعة و الإصلاح الزراعي في الإقليم الشمالي (سوريا). واختارت الجمهورية العربية المتحدة استغلال القرار ذو الصبغة الاشتراكية لأداء وظيفة قومية حيث تمت مصادرة أملاك العائلات والعشائر الكردية في شمال شرق سوريا بشكل يتجاوز حدود القانون ودون احترام مبدأ "الأرض لمن يعمل بها" حيث تم الاستيلاء على أراض زراعية غير إقطاعية يملكها ويعمل فيها الأكراد منذ الاف السنين ليعاد توزيع مساحات كبيرة منها على عشائر عربية كانوا في غالبيتهم من البدو الرحل والمتنقلين في شمال الجزيرة العربية من السعودية إلى سوريا مرورا بالأردن والعراق الذين تم توطنيهم مع انهم لم يكونوا فلاحين أصلاً فاستعانوا لاحقاً بالأكراد الذين أصبحوا مأجورين لدى العشائر العربية البدوية في أراضيهم التي سلبت منهم ظلماً.
بعد الانفصال وسقوط حكومتين في دمشق بأقل من ستة أشهر، كُلف الدكتور بشير العظمة برئاسة حكومة انتقالية "تكنوقراطية" لم تستمر اكثر من خمسة أشهر، إلا أنها أصدرت في 23 آب 1962، المرسوم التشريعي رقم 93، الذي نص على إجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة، وبدأ تنفيذ هذا الإحصاء من قبل حكومة خالد بيك العظم في 5 أكتوبر 1962.
استهدف الإحصاء “التحقق” من جنسية سكان المنطقة، حيث كان يُطلب من السكان تقديم وثائق تثبت وجودهم في سوريا قبل عام 1945. ونتيجة لهذا الإجراء، تم تجريد نحو 120 ألف كردي من الجنسية السورية، ما أدى إلى تصنيفهم كـ”أجانب” في السجلات الرسمية. وترتب على ذلك حرمانهم من حقوق المواطنة الأساسية مثل التعليم، التملك، والعمل في القطاع الحكومي، وحتى الحصول على جوازات سفر.
وهكذا حرم آلاف الاكراد السوريين و خلال فترة زمنية لا تتعدى الثلاث سنوات (1958- 1962) من أراضيهم التي يملكونها منذ آلاف السنين، بل و من سوريتهم أيضاً. وبعد سيطرة حزب البعث على السلطة عقب انقلاب 8 آذار 1963، تبنت الحكومة السورية سياسات تعريب ممنهجة استهدفت الأكراد، بدأت بتعزيز نتائج الإحصاء الاستثنائي، ومن بعدها إطلاق مشروع الحزام العربي عام 1965، والذي هُجّر بسببه الأكراد من أراضيهم في شمال البلاد واستبدلو بعائلات عربية لتغيير الطابع الديموغرافي. وفي 1970، وكجزء من جهود محو الرموز الثقافية الكردية، منعت السلطات البعثية احتفالات عيد النيروز، مع الحفاظ على هذا التاريخ كيوم عطلة رسمية بعد أن أصبح عيد الأم،. كما تم حظر استخدام اللغة الكردية في التعليم والإعلام، وتغيير أسماء القرى والمدن الكردية إلى أسماء عربية. وحتى فرضت السلطات استخدام الأسماء العربية عند تسجيل المواليد في دوائر الأحوال المدنية، مع رفض الأسماء الكردية بشكل قاطع. هذه السياسة دفعت العديد من العائلات الكردية إلى تسجيل أسماء عربية رسميًا مع الاحتفاظ بالأسماء الكردية داخل الأسرة والمجتمع وقد بقيت هذه السياسات قائمة حتى سقوط النظام الأسدي في 8 كانون الاول 2024.
في صفحات التاريخ السوري، يقف الأكراد كشهود على مأساة طويلة من القمع والاضطهاد، حيث لم تكن السياسات التي استهدفتهم مجرد إجراءات سياسية قمعية، بل يمكن اعتبارها محاولة إبادة فعلية لهويتهم الثقافية. باسم القومية العربية، فُرضت عليهم سياسات قاسية سلبت منهم أراضيهم و قراهم، وجُرد الآلاف من جنسيتهم ليصبحوا غرباء في وطنهم. مُنعت لغتهم، وهُددت ثقافتهم، وحتى أسماء أبنائهم ومدنهم لم تسلم من الطمس والتشويه.
إن الظلم لا يتوقف عند الماضي، بل يتجدد في حاضر يحمل فكرة مغلوطة أن سوريا “عربية” فقط، وأن الأكراد “دخلاء”، متجاهلين بذلك حقيقة أن الأكراد جزء أصيل من النسيج السوري. لقد آن الأوان أن يُقر السوريون العرب بخطئهم تجاه الأكراد، وأن يُدركوا أن الوطن يتسع للجميع أفراداً و ثقافات. الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل شجاعة، وبدونه ستظل جراح الماضي مفتوحة، وسيبقى الظلم حكايةً لا نهاية لها.