المغامرة قد تربح معركة، لكنها تخسر وطناً
أنس جودة
في أحد اللقاءات التلفزيونية، كان إلى جانبي أحد القادة العسكريين الأساسيين في غرفة عمليات «ردع العدوان». كان محور النقاش يدور حول تنسيب المقاتلين الأجانب إلى الجيش وترفيعهم إلى رتب عليا. قلت بهدوء ووضوح إن هذا المسار كارثي على فكرة الجيش الوطني، وعلى هوية المؤسسة العسكرية وانتماء أفرادها. وإذا أرادت السلطة مكافأة هؤلاء على دورهم العسكري، فلتفعل ذلك خارج بنية الجيش لا داخلها.
لم أتمكن من قول الكثير. الضيف هيمن على الحوار بمساعدة المذيعة التي تركت له كل الوقت، إلى أن وصلتُ إلى لحظة غضب على الهواء. وبعد انتهاء الحلقة، واجهت المخرج والمذيعة والمعدّ بوضوح: إذا كنتم تريدون تبرير ما يفعلونه، استضيفوه وحده ولا تصنعوا مسرحية هزيلة.
حاول الفريق تهدئة الموقف و دعونا لجلسة شاي. وحاولت مجدداً الحديث مع القائد العسكري بهدوء، قلت له أن نجاح تجربتهم لن يتحقق بهذه الطريقة، وأن التلاعب ببنية الجيش سيضرّ الجميع، وسيسقط كل شيء على رؤوسنا جميعاً.
أجابني بثقة صلبة: «نحن لا نفكر بهذه الطريقة. الحذر غير موجود في قاموسنا. نحن نفكر بالفرصة أمامنا: إذا وصلت احتمالية نجاحها إلى ٤٨٪ نضيف لها علامتين، ونمضي بلا تردد. هذه العقلية هي التي أوصلتنا إلى دمشق». واستشهد بقصة خالد بن الوليد عندما قطع الصحراء لمساندة أبي عبيدة، وقال: «هذا سيدنا خالد الذي ثبته سيدنا عمر، والذي قال عنه الرسول ﷺ: لو كان نبي بعدي لكان عمر».
سألته: وهل تعرف لماذا عزل سيدنا عمرُ سيدَنا خالد؟
قال: حتى لا يفتن الناسُ بخالد.
قلت له: لا، اسمح لي. عمر عزله حتى لا يفتن خالدٌ نفسه. لأنه وصل لمرحلة ظن فيها أنه قادر على تحقيق كل شيء بهذه العقلية، ولأن أسلوب المغامرة المستمرة قد يُسقط الناس في التهلكة، وهذا لا ينسجم مع منطق عمر الذي كان يراعي مصالح العامة ويمنع العبث بالأرواح.
هنا انزعج القائد، ونظر بطرف عينه قائلاً: «لو تصرفنا وفق "مذهبكم" لكنا فشلنا منذ زمن».
سألته: مذهبنا!! من نحن؟
قال: «أنتم الديموقراطيون العلمانيون». ثم أمسك هاتفه وأنهى الحديث.
المفارقة أن هذا القائد نفسه كان العقل المدبّر وراء «الخديعة» التي تحدث عنها وزير خارجية السلطة في السويداء، لأنه أعاد استخدام العقلية نفسها: مغامرة بلا تقدير، فخّ وضعت فيه السلطة نفسها وأدخلت البلاد في مأزق دولي لا تُحسد عليه، ودفعت سوريا كلّها باتجاه طريق التقسيم، وأنه هو نفسه والعقلية التي يفكر فيها نموذج تطبيقي صارخ لعزل عمر لخالد لأنه كان يرى أن الدولة لا تُبنى بمنطق المغامرة، وأن النجاح العسكري لا يعطي صاحبه الحق في إدارة مصائر الناس دون حساب حقيقي.
هذه هي العقلية التي تحكم السلطة الآن: القفز فوق المخاطر وكأنها غير موجودة، والاندفاع إلى الهاوية بثقة مَرَضيّة، بلا اعتبار لمصالح الناس ولا لتوازنات الواقع. عقلية قد تنفع مجموعة عسكرية معزولة تبحث عن مشهد استعراضي سريع، لكنها لا تصلح لإدارة بلد متعدد ومعقّد يقع عند تقاطع مصالح العالم. هي عقلية قد تنتج الإبهار الأولي، لكنها بالمحصلة وصفة واضحة للتشظي والضياع.
حفظ الأرواح ومصالح الناس مقدَّم على المغامرة. إدارة بلد بكل ما فيه من اقتصاد ومؤسسات وموظفين ومجتمعات لا تُدار بالصور والزيارات والأسفار — مهما كانت أهميتها — ولا بمذكرات تفاهم خلبية أو باجتياح للسوق باسم «الصدمة». إدارة البلد تحتاج إلى حكم رشيد، تشاركي وتعددي، يرى مصالح الناس كلها بعين واحدة، ولا يرفع جماعة ليحطم أخرى، ولا يغامر بمصير وطن كامل بلا حساب ولا تقدير. هذا هو الحد الأدنى لأي سلطة تريد أن تبني دولة، لا أن تجرّها إلى الهاوية مرة أخرى.