(الأقليات) السورية ومؤتمر إسرائيل!
د. عبد الوهاب أسعد
قيل أنه في الأيام الماضية عقد مؤتمر في إسرائيل لمناقشة القضية السورية. بالإضافة لإسرائيليين شارك فيه من قيل بأنهم يمثلون طوائف الأقليات العددية في سوريا.
بالنسبة لي طائفتي هي سوريا الحضارة، وأنا سوري منذ آلاف السنين ولا أستبدل هذا بأي تعريف آخر. وأما ما أعتبره الأكثرية فهي أكثرية العلم والعقل والخبرة والضمير، وما عدا ذلك فلا قيمة له في تكوين الرأي الصحيح.
وأما بالنسبة للتمثيل فلا يوجد لدينا اليوم أحزاب سياسية فعالة ولا تنظيمات مجتمع مدني جامعة ولا حتى إستطلاعات رأي موثوقة بإمكانها الإدعاء بأنها تحظى بتمثيل حقيقي لطوائف أو شرائح سياسية مجتمعية. وقد وصل بنا الأمر لدرجة أن فسبكجية يستخدمون لغات ساقطة في خطاباتهم المؤذية ويدعون تمثيلا شعبيا لما يتفوهون به. وبالنتيجة لا يوجد حاليا وفي كل الجهات من بإمكانه الزعم أنه يمثل الشعب السوري. وطالما أن الأمر كذلك فإن هكذا مؤتمرات لا تنطق حقيقة برغبات الشعب السوري، إضافة إلى أن التعامل مع كيانات معادية محتلة للأراضي السورية يحتاج لإجماع وطني، ولا يحق لأية جهة بمفردها التواصل مع من يعتبرهم الدستور والقوانين السورية وواقع الأمر أعداء، هذا أمر يخص الشعب السوري بمجمله، يناقشه ويقره نواب منتخبون أكفاء. إذاً مؤتمر إسرائيل باطل وليس له تبعات على الداخل السوري.
وأما من يحلو لهم اليوم التحدث بمنطق ومنطلق طائفي (والذي أمقته) فهذا خاطيء لا بل فيه إجرام. فلا يمكن حشر مجموعة من الناس في زاوية عقائدية دينية بمجرد ولادتهم هنا أو هناك أو وراثتهم لمذهبهم كما يرث إنسان منزلا أو قطعة أرض، فمستويات التعليم والثقافة والذكاء مختلفة بين الناس ولذلك فإن آراهم ومواقفهم كذلك مختلفة. إضافة إلى ما يمكن إعتباره اليوم أكثرية أو أقلية عددية فلقد كان بالأمس القريب مختلفا. والناس وبحسب الظروف الإقتصادية والسياسية تبدل وتغير من معتقداتها وتحالفاتها. وفي أيام الدولة الحمدانية كانت الأغلبية السورية علوية، وحتى ما قبل إحتلال تركيا لكيليكية وإسكندرونة كان الأمر كذلك، ناهيك عن أن سوريا قبل دخول الأمويين القرشيين كانت مسيحية بأغلبيتها المطلقة. إذا هذا أمر لا يعتد به، والأساس هو العلم والعقل والخبرة والضمير، وبهذه المباديء يمكن إدارة المجتمعات البشرية بشكل إنساني صحيح.
سمعت وقرأت في السنوات الماضية أن العلويين يحكمون سوريا منذ ما يزيد عن الخمسين سنة، فماذا كان الأمر حقيقة؟
العلويون يوالون آل بيت رسول الله (ص) ويتبعون مذهب الإمام جعفر الصادق، وفي زمان الإنتداب الفرنسي كان للعلويين مرجعية دينية ومحكمة شرعية في اللاذقية تولاها العلامة الشيخ سليمان الأحمد، ومن بعد الإستقلال ألغت الدولة السورية المحكمة الجعفرية العلوية، وأصبح العلويون في أمور الأحوال الشخصية والزواج والميراث يتبعون مذاهب السنة، وحتى اليوم لا وجود للمذهب الجعفري العلوي في التشريع السوري. حاول الدكتور علي سليمان الأحمد إعادة تكوين مرجعية مذهبية جعفرية علوية ولكن حافظ الأسد منعه من ذلك. وفي عهد الأسد تم قتل كبار الضباط من أبناء العائلات العلوية الرائدة مثل عمران وجديد، وتم إعتقال وسجن آخرين لأنهم رفضوا مبدأ التوريث. وأما مصير بقية الضباط العلويين فالقلة القليلة الفاسدة (دبرت أمورها سواء في الداخل أو الخارج) والأكثرية الوطنية مصيرها في السجون. وهذا حديث طائفي أمقته، ولكن للحقيقة والتاريخ وددت ذكره بإقتضاب.
وطالما بقينا نخوض في أمور طائفية مقرفة فسوف يتمزق الوطن، وسوف تسعى كل فئة تشعر بظلم إلى من يدعمها ويساندها، وبذلك نكون فعلا قد فتتنا الوطن وقسمناه.
منذ ما يزيد عن العشر سنوات وكثير من الكتاب وأصحاب الرأي يدعون إلى التجمع ومناقشة أمورنا في العاصمة دمشق حصرا، وأنا ممن كانوا في مقدمة الداعين لذلك، وقبل ثلاثة عشر سنة نشرت عدة مقالات تنادي بلقاء للحكماء لتشخيص حالتنا ومن ثم مؤتمر سوري عام على غرار ما حصل في عام ١٩١٩، وجمعية وطنية لصياغة دستور عصري وحكومة وحدة وطنية. ومازلت مقتنعا بجدوى هذه المقترحات، ولن نصل إلى نتيجة مرجوة إلا بتجميع كل الأطراف السورية. ولذلك فلتذهبوا بطوائفكم ومؤتمراتها إلى...، وأنا سوري ومنذ ما يزيد عن العشرة آلاف سنة ومقتنع بأن سوريا الحضارة والإنسان سوف تنهض ولو بعد حين. تحيا سوريتنا العلمانية الحضارية الإنسانية.