محاولة لفهم سلوك جماعة بشرية

صفوان الشوا

كي تفهم سلوك جماعة بشرية ما لا بد من تحليل شخصيتها الجمعية التي تكرست عبر تاريخها الطويل. أكاد أجزم أن عقدة النقص هي المحرك الأساسي لسلوك أفراد جماعة بشرية عانت خلال تاريخها من التهميش والإقصاء والإلغاء (بوجهيه الجسدي والمعنوي)، بل وهي العامل الأساسي الذي صقل ويصقل شخصيتهم الجمعية.
من منظور علم النفس الاجتماعي، يؤدي التهميش البنيوي الممتد زمنيا إلى تكوين ما يُسمى بـ "الوعي الدُّوني الجمعي". تتجسد هذه الحالة في الشعور بالخجل من الذات ومن الانتماء، لأن أفراد الجماعة يربطون تلقائيا معاناتهم التاريخية بمُسبِّبِها وهو هذا الانتماء، فيحاولون - كآلية دفاعية إنكارية - الهروب من هذا الانتماء ومن هويتهم الجمعية، ليس بالضرورة رفضًا للمعتقد أو الأصل، بل رفضًا للوصمة الاجتماعية التي أُلصِقت به. هذه الآلية الإنكارية تتجلى لدى بعض الأفراد بتبنّي هويات "عابرة للطوائف" كاللادينية أو الإلحاد أو الادعاء باللاانتماء أو الانتماء للإنسانية أو للقِرَدة أو التحزُّب لتيارات سياسية متجاوزة للحدود الطائفية (قومية، ماركسية.... الخ)؛ وهي ما يصفها علم النفس بـ "الهوية التعويضية" لتجاوز أزمة الإحساس بالدونية. وهذه الآلية من وجهة نظر داروينية هي طريقة للبقاء في مجتمع يتهدد بقاؤك فيه تبعا لانتمائك الطائفي.
من زاوية التحليل النفسي كما صاغه فرويد وطوّره فرانتز فانون في دراساته يميل المقهور إلى التماهي بالمعتدي بوصفه آلية دفاعية أخرى لتخفيف شعوره بالدونية. فيلجأ بعض الأفراد إلى تبنّي الأنماط الثقافية للأغلبية (اللهجة، أسلوب الحياة...)، أو تبني سرديتها التاريخية (كتبنِّي بعض الكلاب والهررة لسردية أن الخلاف بين عليّ والآخرين كان خلافا سياسيا أو كتبني سردية تاريخ سوريا الحديث وشيطنة أو تلميع صور شخصيات هذا التاريخ وفقا لرواية الأغلبية أو حتى تبني سردية ثورة المتوحشين، ...)، أو إنكار الاختلافات التاريخية التي تميز جماعتهم، ليس إعجابا بالآخر بل هربا من ألم الوصمة، وسعيا للاحتماء بمعايير المركز المهيمن.
ولكن لماذا لا يتأثر جميع أفراد هذه الجماعة بالطريقة نفسها رغم اشتراكهم في نفس ظروف التهميش التاريخي؟
لأن الاستجابات الفردية ليست متجانسة رغم الطابع الجمعي لهذه الظاهرة. فبينما يخضع بعض الأفراد لآليات الإنكار أو التماهي كما أسلفنا، يختار آخرون مسارا مغايرا يقوم على إعادة تعريف الذات والهوية من خلال الانقلاب الرمزي والدّوس على معايير التحضّر والتخلف التي فرضها المركز المهيمن بإرهابه الرمزي.
يُفسِّر فرانتز فانون هذا النمط بما يسميه "الوعي التحرري" الذي يدرك أن الدونية ليست طبيعة، بل بناء اجتماعيا وإرهابا رمزيا مُكرَّسا لا أساس حقيقيا له. هؤلاء الأفراد لا يشعرون بالنقص، بل يعيشون تفوقا رمزيا مضادا، إذ يعيدون تأويل الإقصاء بوصفه دليلاً على أصالة ثقافتهم أو سموّ قيمهم الأخلاقية.
يمكن إخضاع تحليلنا السابق للاختبار العملي من خلال استخدامه كنموذج تفسيري لسلوكيات أفراد تلك الجماعة من الألف إلى الياء، بدءا من سلوكهم الفيسبوكي وحتى رؤيتهم لحل مشكلتهم المصيرية حاليا.