تسليح الأنوثة والطفولة.. قراءة إعلامية نقدية
شعبان عبود
في مشهد يختزل المأساة السورية بأبعادها الطائفية والإنسانية، نشرت إحدى الميليشيات المسلحة في محافظة السويداء، مقطع فيديو لفتاة صغيرة، جميلة الملامح، وهي تحمل بندقية، وتضع شارة دينية تعبّر عن الانتماء الديني للطائفة الدرزية.
المشهد، الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ليس مجرد فيديو عادي بل يعكس ظواهر معقدة تتقاطع فيها الدعاية العسكرية، مع استغلال الأنوثة والطفولة في خضم نزاع عسكري ذو أبعاد طائفية صارخة.
من منظور إعلامي، يُعد نشر هذا النوع من المواد جزءًا من استراتيجية ترويجية تقوم على الشحن العاطفي، فالفتاة الصغيرة، بملامحها البريئة والجميلة وبندقيتها التي تكاد تفوق حجمها، ليست سوى أداة بصرية يُراد بها إيصال رسائل مركّبة: الطائفة موحدة، الكل مستعد للقتال، حتى الأطفال.
من شبه المؤكد أن هذا الفيديو يُعد جزءًا من دعاية ممنهجة، وغالبًا يخدم أهدافًا متعددة أهمها، إبراز الانتماء الطائفي، وذلك عن طريق استخدام الشارة الدينية على ملابس الفتاة، وبنفس الوقت لا يخفى أن الغرض الأساسي هو تلميع صورة الجماعة التي تقف وراء نشر الفيديو. إن استخدام فتاة صغيرة وجميلة يهدف إلى إظهار تلك الجماعة بمظهر “حداثي” و”منفتح”، على عكس الصورة النمطية للميليشيات العنيفة والمتشددة وتلك الطائفية.
أيضا لا يخلو نشر الفيديو من رسالة أخرى غايتها إضفاء الطابع البطولي والرومانسي على الصراع المسلح، فتصوير الطفولة والأنوثة وهي تحمل السلاح يعطي انطباعًا “بطوليًا” في ذهن المتلقي.
أيضا، نشر الفيديو يمكن اعتباره كرسالة داخلية للطائفة، رسالة غايتها إظهار “تلاحم الجنسين والأجيال” في “الدفاع عن الأرض والعقيدة”، من أجل خلق حالة من التعبئة العاطفية والشحن المعنوي.
وبنفس الوقت هو رسالة للخصوم مفادها أن “الكل يقاتل”، حتى النساء والفتيات، ما يعزز صورة أو أسطورة “الصمود”. وأخيراً الفيديو هو رسالة للعالم الخارجي ووسائل الإعلام الأجنبية من أجل نيل التعاطف أو الظهور كضحايا حداثيين ومنفتحين، لكنهم مختلفين عن "العدو" والخصم الآخر "الارهابي" و"المتشدد" الذي يقمع المرأة. وهم، بسبب ذلك، مضطرون رجالاً ونساء للوقوف في وجه ذلك العدو أو الخصم.
من ناحية ثانية، استخدام النساء في الصراعات المسلحة لا يخلو من رمزية، لأن النساء يرمزن إلى الهوية، العرض، الشرف، والاستمرارية. وحين تُسلّح فتاة، فهذا يعني أن كل القيم والمقدسات أصبحت في خطر.
ومن الزاوية الحقوقية، يتجاوز هذا الفعل حدود الخطاب الإعلامي ليصل إلى عتبة الانتهاك الصريح للقانون الدولي. فوفقًا لاتفاقية حقوق الطفل، إذا كانت هذه الفتاة دون سنّ ال18 عاما، فإن تجنيد الأطفال أو استخدامهم في الدعاية العسكرية يُعد جريمة تستوجب المحاسبة. ولا يقتصر الانتهاك هنا على حمل السلاح، بل يشمل أيضًا استخدامهم كرموز في حملات التعبئة والتحريض.
هذا الاستخدام الدعائي للطفولة والأنوثة في سياق طائفي وعسكري لا يُعبّر عن قوة جماعة ما، بل عن عمق أزمة أخلاقية، تفصح عن نفسها من خلال استخدام الطفولة والأنوثة وتحويلها من قيمة يجب حمايتها إلى أداة في معركة.