ملاحظات حول الحرب ضد إيران

بشّار عباس

1. هل هي حرب إسرائيلية؟ لا بل هي حرب أمريكية عهد فيها ترمب إلى نتنياهو بتنفيذ المهمة كاملة، ولكن نتنياهو لم يتمكن من إنجاز سوى الخطوة الافتتاحية، وها هو ترمب يرغي ويزبد لأن نتنياهو لم يستطع وحده اكمال المهمة، ولذلك يؤكد ترمب أنه سيتدخل، ولكنه لم يحدد موعد الضربة كي لا يفسد عنصر المفاجأة.
2. هل أثرت المعارك على الجبهة الداخلية الإسرائيلية؟ من المؤكد أن الرأي العام الإسرائيلي بعد عقود من التعبئة أصبح جاهزاً للوقوف خلف أية ضربة توجه ضد إيران، وقد أوضح استطلاع للرأي نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، هذه النتيجة فقد أعرب 82 بالمئة من الإسرائيليين اليهود عن تأييدهم للهجوم على إيران وتوقيته، وفي المقابل، أظهرت النتائج اختلافا جوهريا في آراء المواطنين العرب في إسرائيل؛ إذ أيد 11 بالمئة فقط الهجوم، بينما قال 12.5 بالمئة إنهم يؤيدون العملية لكنهم يعارضون توقيتها، وعارضها 65 بالمئة بشكل قاطع. بعبارة أخرى لا تغييرات واضحة في خارطة الرأي العام داخل إسرائيل بعد بدء الحرب.
3. هل أثرت المعارك على الجبهة الداخلية الإيرانية؟ يبدو أن المواقف الداخلية للأحزاب والشخصيات المعارضة داخل إيران، على مختلف مشاربها، لا تختلف بشأن ضرورة الالتفاف حول الدولة ومواجهة العدوان والدفاع عن الوطن. وفي المقابل، لا تتشارك معارضة الخارج مع نظيرتها في الداخل في الموقف. إذ منذ بدء الحرب، تداعت أصوات في معارضة الخارج إلى استغلال الحرب والقصف وحالة "الضعف" التي يعاني منها النظام، من أجل إسقاطه. وتراهن عدة مجموعات في تلك المعارضة على الدعم الأمريكي لها لتنفيذ الخطوة، وربما أيضا الدعم الإسرائيلي. وبرز موقف رضا شاه بهلوي ابن الشاه السابق، بعبارة أخرى لا تغييرات واضحة في خارطة الرأي العام داخل إيران بعد بدء الحرب، أما المعارضة الخارجية فلا يمكنها التأثير إلا إذا دخلت فوق الدبابات الأمريكية والإسرائيلية.
4. من هو الرابح في هذه الحرب؟ الرابح الأكبر هو مجمع الصناعات العسكرية في أمريكا واليمين المتطرف في إسرائيل وأمريكا، ومن المؤكد أن نتنياهو يفتش عن أي حرب نسيها الإسرائيليون ليحييها فهو لم يشفَ حتى اليوم من جراح 7 اكتوبر التي أهانت نرجسيته، وفي هذه الحالة لا يعترف النرجسيون بأخطائهم ولا يتراجعون بل يهربون إلى الأمام، أي يفتشون عن أعداء محتملين ويهاجمونهم.
5. ما مدى خسائر إسرائيل اقتصادياً؟ كشف خبراء اقتصاديون أنه، في كلّ يوم حرب، يبلغ الضرر الاقتصادي 3 مليارات شيكل (850 مليون دولار تقريباً/ الدولار الواحد يعادل 3.6 شواكل تقريباً، ووفقاً لاتحاد الصناعيين، فإنه إذا استمرت تعليمات الجبهة الداخلية، نحو 75% من العاملين سيغيبون فعلياً عن أماكن العمل. ونصف العاملين لن يعملوا إطلاقاً، والنصف الآخر سيتوزّع، بين من يعمل من المنزل، ومن يعمل بدوام جزئي. وبعد إصابة مصفاة تكرير النفط في حيفا، وإعلان شركة "بزان" عن توقّف عملها، أُفيد أنّ مصافي التكرير في خليح حيفا، توفّر نحو نصف كمية الوقود للمواصلات في "إسرائيل". وفي أعقاب الصلية التي استهدفت النقب، تضرّرت شبكة الكهرباء المحلية، حيث تمزّقت بعض الأسلاك.
6. ما هو اتجاه الهجرة خارج إسرائيل؟ أدركت الحكومة الإسرائيلية أن الحرب مع إيران ستسبب موجة هجرة جديدة فلجأت إلى إغلاق مطار بن غوريون وإرسال طائراتها المدنية إلى مطارات أوربا وخاصة إلى قبرص واليونان، وهكذا اضطر الراغبون في المغادرة إلى الهجرة غير الشرعية عبر قوارب عبر البحر إلى قبرص أو بولمانات إلى طابا المصرية أو إلى الأردن ووثقت صحف إسرائيلية شهادات بأن كلفة "الهروب" بلغت بين عشرة آلاف وحتى عشرين ألف دولار. وطبعاً لم تبلغ أعداد المهاجرين حتى اليوم درجة مقلقة للسلطات الإسرائيلية ولكنها تشكل على كل حال مؤشراً على الحالة النفسية للجمهور.
7. ما هي خارطة التحالفات الدولية حول الصراع؟ في الحقيقة أن الصراع واضح فإسرائيل انطلقت في حربها بمباركة أمريكية وها هو ترمب يقول إنه وجه إنذاراً لإيران يمهلها فيه ستين يوماً للتوقيع على الاتفاق النووي ولكنها ماطلت فجاءتها الضربة في اليوم الواحد والستين، أي أن الموعد محسوب بدقة على الرغم من أنه كان سيرسل وفده إلى مسقط للاستمرار في المفاوات بعد يومين فقط من الضربة، أي أن رأس البلاد في امريكا مارس خداعاً علنياً كي يسهل على نتنياهو مهمته، وبذلك لم يحترم كلمته. ومن ناحية أخرى لا ننسى المعركة المشتعلة اقتصادياً بين الصين والولايات المتحدة ونرى أن الانتصار على إيران سيجرد الصين من حليف إقليمي قوي، وكذلك نجد أن باكستان حليف الصين تاريخياً تقف إلى جانب إيران وتتعهد بدعمها، أما روسيا فقد وجدتها فرصة للعودة إلى ساحة الدبلوماسية الدولية وعرضت الوساطة بين الخصمين المتصارعين، وأوربا كذلك تحاول إطفاء نار الحرب لأنها تعرف أنها ستدفع الثمن، فهي فعلياً تعاني من دفع ثمن الحروب الأمريكية، ولكنها لا تملك الإمكانية الفعلية للخروج من تحت المظلة الأمريكية.
8. هل ستتخذ الولايات المتحدة قراراً بالتدخل العسكري؟ المسألة هنا معقدة والخيارات صعبة وشائكة، فمما لا شك فيه أن الولايات المتحدة لديها من القدرات العسكرية التي تكفل لها الانتصار، بل وتستطيع محو إيران عن الخارطة، ولكن قبل ذلك ستتعرض آبار نفط الخليج العربي والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة إلى هجوم إيراني يلحق بها ضرراً بالغاً، إضافة إلى إغلاق مضيق هرمز الذي سيوقف ثلث نفط العالم عن الوصول إلى المستهلكين، فهل سيقدم ترمب ومن ورائه الدولة العميقة على هذه المغامرة؟ وهل يستحق إخضاع إيران هذا الثمن الباهظ؟ هذه أسئلة ننتظر إجاباتها ونتمنى ألا يستخف ترمب بالأخطار المحتملة، وألا يستطيع نتنياهو أن يجر العالم إلى كارثة جديدة للحفاظ عل كرسي رئاسة وزراء إسرائيل.