قراءة في التحولات القادمة في سوريا

مروان حبش

تشهد سوريا منذ بداية انتفاضة الشعب في عام 2011 تحولات جذرية عميقة على مختلف الأصعدة السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية. خاصة بعد سقوط نظام الأسرة الفاسد، وقد أسفرت هذه التحولات عن ظهور قلق متزايد وتوترات لدى بعض الجماعات السياسية والدينية والمذهبية والإثنية، والتي باتت تشعر بعدم الأمان والتهديد من المستقبل. ترافق ذلك مع تصاعد مطالب الجماعات الكردية، بالإضافة إلى موقف الأغلبية من الجماعات السنية المعتدلة غير الموافقة على سلوك السلطة القائمة وتشعر بالتهميش في ظل استمرار سيطرة السلطة الجديدة التي تفتقر إلى التمثيل السني الحقيقي. وفي ظل غياب الشفافية السياسية واستمرار هيمنة "سلطة اللون الواحد". كما يعتبر غياب السياسة الفعالة عن المجتمع السوري أحد الأسباب الرئيسية للتوترات الحالية. فقد أدى تجاهل بناء مؤسسات سياسية ومنظمات مجتمع مدني قوية وقادرة على تمثيل جميع الفئات إلى تعزيز الانقسامات وزيادة عدم الثقة بين الجماعات المختلفة.
هذا الإقصاء، إلى جانب غياب الشفافية في إدارة المرحلة الانتقالية، يثير قلقاً واسعاً من عودة الاحتجاجات أو حتى التصعيد المسلح في بعض المناطق.
إن الأحداث الأخيرة في بعض مناطق طائفة الموحدين أدت إلى تدخلات خارجية، أبرزها الضربات الجوية الإسرائيلية، بحجة حمايتها. هذه التدخلات المرفوضة التي جاءت تحت ذرائع إنسانية، إلا أنها تزيد من تعقيد المشهد وتفتح الباب أمام صراعات إقليمية جديدة.
إن اللقاءات التي تعقد بين السلطة وبعض الشخصيات المحلية دون إشراك جميع الأطراف، وخاصة القوى والشخصيات السياسية، تعكس عدم الرغبة في بناء حوار شامل يضمن مشاركة الجميع. وإلى اتهام السلطة الانتقالية بانتهاج سياسة الإقصاء، مما يعني تهميش باقي جماعات المجتمع، وتهميش القوى السياسية، خاصة منها التي كانت معارضة للنظام البائد، وسعيها إلى الحفاظ على سيطرتها عبر تعزيز فكرة "اللون الواحد"، هذه السياسة تؤدي إلى تفاقم الانقسامات وتعميق الهوة بين مختلف الجماعات السورية، مما يكرس مفهوم "سلطة اللون الواحد" ويقوض فرص الأهداف التي ثار جيل الشباب من أجلها، وهي دولة المواطنة وبناء نظام ديمقراطي تعددي. هذا الغياب للسياسة التشاركية يعمق الانقسامات ويزيد من احتمالات الانفجار الاجتماعي.
إن التحديات الجسيمة التي تواجهها سوريا اليوم تهدد وحدتها واستقرارها، وإن استمرار النهج الإقصائي وغياب الشفافية السياسية سيؤديان إلى مزيد من التوترات والانقسامات. وإن التحولات القادمة في سوريا تحمل في طياتها الكثير من التحديات والفرص، لذا يجب أن يتم التعامل مع المخاوف والقلق الذي تشعر به الجماعات السورية بشكل جاد، وذلك من خلال عقد اجتماعي جديد، وبناء سياسة شاملة تعكس تنوع المجتمع، ينتجهما الحوار ومؤتمر وطني شامل يضمن مشاركة جميع المكونات السورية في بناء مستقبل البلاد على أسس العدالة والمساواة والديمقراطية وهي السبيل الوحيد لضمان حقوق جميع المواطنين.