الخديعة الروسية والتاجر بوتين وعقلية المافيا

أسعد صالح

"ما يحدث في سورية ليس خللاً أو هزيمة لروسيا"، هذا ما قاله الرئيس الروسي بوتين عن سقوط النظام السابق وتسلّم الإدارة الجديدة للسلطة في سورية، بالفعل ما حدث ليس هزيمة لروسيا بل لولاها ما ما كان ليتمّ ذلك قطّ، ولكن حصل نتيجة تفاهمات وصفقات بين روسيا وأميركا وتركيا وإسرائيل.
من المعروف أنّ روسيا كانت تُسيطر على سورية وتحت نظرها برّاً وجوّاً وبحراً، فكل حركة فيها يرصدها الروس، فللروس قواعد في اللاذقية وطرطوس وحماة والسقيلبية والحسكة ومراكز رصد ومراقبة ورادارات وأنظمة تنصت وانتشار عسكري في عموم سورية، عدا عن أقمارها العسكرية الموجّهة باتجاه سورية، إضافة إلى عملاء مخابراتها المنتشرين في الأراضي السورية.
عندما تم التحشيد في إدلب وريف حلب الغربي قبل سقوط النظام بأكثر من شهر للهجوم على محاور القتال في حلب وإدلب وحماة واللاذقية ثم تأجيل الأمر إلى نهاية الشهر ١١ من العام ٢٠٢٤م، كانت روسيا راصدة وعلى علم بكل هذه التحركات والنوايا وكذلك النظام كان على علم.
بدأ الهجوم من قبل هيئة تحرير الشام والجماعات الأخرى في الساعة السابعة صباحا من يوم ٢٧- ١١- ٢٠٢٤م على محور الفوج ٤٧ في بلدة قبتان الجبل، ومن محور الفوج ٤٦ في كفر عمّة، في ريف حلب الغربي، ثم تطور الهجوم من جهة إدلب باتجاه سراقب، كانت حركات المقاتلين تعمل على تطويق قوات الجيش السوري من جهتين كدائرة غير مكتمة لتسهيل الانسحاب وقلما حدثت مواجهات باستثناء بدء الهجوم صمدت القوات على محاور القتال حوالي ثماني ساعات فنفذت ذخيرتها وأصيب عدد منها، ولم تتم مساندتها ولا مؤازرتها رغم الطلب، وكانت القوات المهاجمة قد سيطرت على عدة مناطق ثم أعادت الهجوم حوالي الساعة الخامسة صباحا، وبدأت الكتائب والألوية بالانسحاب تدريجيا وكأنه عملية تسليم واستلام، فانسحب معظم القوات من حلب باتجاه مطار أبو الظهور في إدلب ثم إلى ريف حماة الشمالي ثم إلى مدينة حماة.
استُخدم الطيران المُسيّر من خلال ما عُرف بكتائب شاهين، وكانت حركة الأرتال كثيفة ومكشوفة وكُشف أنّ العدد من المقاتلين المجهزين لهذه العملية تجاوز الستين ألفا، مع استخدام الراجمات الصاروخية بشكل كبير، مع المدفعية بعيدة المدى إضافة للدبابات والعربات، كانت حركة العمليات العسكرية تسير بكل سلاسة وأريحية دون اعتراض يُذكر من الطيران الحربي الروسي، وكان يضرب أهدافا وهمية وفي المناطق الخالية كالأراضي الزراعية، وكانوا يصرحون بأنهم يضربون الإمدادات والخطوط الخلفية، ولكن العمليات كانت تدور بعيدا عن ضرباتهم الجوية القليلة، كانت تأتي طائرة واحدة تضرب وتذهب، ومن يذكر العمليات التي شاركت فيها القوات الجوفضائية الروسية يعرف بأنهم عندما يضربون في وضع كهذا الوضع يرسلون أسرابا من الميغ والسوخوي، وانسحبت قواتهم من حلب وريف إدلب ثم السقيلبية وحماة باتجاه قاعدة حميميم، بشكل آمن دون أن يجرح أي جندي روسي في عملية السيطرة على الحكم في سورية.
للتمويه على خداع الروس عندما انتشرت شائعة احتجاز بشار الأسد جعلوا ابنه حافظ ينشر مقالا هم كتبوه يشرح فيها اللحظات الأخيرة من سقوط النظام ورحلتهم إلى روسيا، كما تم عزل قائد القوات الروسية في سورية في إطار الخداع.
ورأينا تصريحات الإدارة الجديدة المحابية للروس وكذلك تصريحات الروس الإيجابية معهم، وقد زار نائب وزير الخارجية الروسي دمشق لإكمال الاتفاق وتعزيز الصداقة الجديدة.
التفاهم التي تم بين أميركا وروسيا وبين روسيا وتركيا وبين روسيا وإسرائيل، كل طرف استفاد، فإسرائيل قطعت الصلة والإمداد بين إيران وحزب الله وعزلته وبين إيران وحماس والجهاد الإسلامي كذلك وأخرجتها من سورية، وروسيا احتفظت بقاعدتيها الجوية والبحرية واتفقت مع أميركا على حلحلة الملف الأوكراني، وتركيا صار لها دولة تابعة لها وتدور في فلكها، وأميركيا هدفها تحجيم دور إيران والحفاظ على أمن إسرائيل.
ولا ننسى كلام نتنياهو عندما حذر بشار الأسد بأنه يجب عليه أن لا يلعب بالنار عشية الهجوم، وبعد ثلاث ساعات من وقف إطلاق النار مع الحزب، وتصريحه الشهير عقب هجوم حماس على إسرائيل، بأنه سيغير الشرق الاوسط، ولكن بعد السقوط يبدو أنه صار خلاف على تقاسم النفوذ بين الشركاء، وأخطاؤوا ببعض الحسابات وتخوفوا من بعض النتائج.
خطأ النظام السابق بأن جعل كل أوراقه بيد روسيا، فصارت في لحظة واحدة تستطيع إسقاطه، فتغلغلت روسيا في جميع مفاصل الجيش والأمن السوري عدا عن الأمور المدنية، وكانت تنسق مع إسرائيل عند ضرب كل هدف إيراني أو سوري للحزب، وكانت قد زودت الجيش السوري بمنظومة إس ٣٠٠ للتصدي فقط للصواريخ الإسرائيلية دون استهداف الطائرات وكان الضباط السوريون العاملون على هذه المنظومة تأتيهم هذه التعليمات، وجندت المستشارة الخاصة لونا الشبل التي كانت تتجسس على لقاء بشار الأسد مع الإيرانيين والحزب بشكل خاص وتزود روسيا بكل التفاصيل التي بدورها ترسلها إلى إسرائيل، فقد اخترقت الشبل مفاصل الدولة العسكرية والأمنية ولا حسيب ولا رقيب رغم شكوك المخابرات السورية بها وحصولهم على معلومات تدينها التي كانت ترفعها إلى رئاسة الجمهورية التي كانت صمّاء بكماء عمياء عنها.
وكانت روسيا تجند ضباط كبار وتسلمهم مناصب عليا كقادة فيالق وفرق لاستخدامهم في هذه المرحلة التي كانت مبيّتة.
وكذلك دفعت النظام لتسريح دفعات كبيرة من الجيش متطوعين ومجندين واحتياط لإنشاء جيش احترافي كما كان يقال، ولم يكن ذلك إلا ضمن خطة ممنهجة.
ورجل روسيا في الجنوب أحمد العودة هو أول من دخل دمشق من قوات الفصائل.
كانت روسيا تدفع النظام بعدم التطبيع مع تركيا وأميركا، ليكون رهينة بيدها وحدها ولكي تستفرد به، فقد كان هذا النظام غبيا لوثوقه بشكل مطلق بالروس، فروسيا كانت تنتظر انتهاء صلاحيته، وانتهاء مصالحها معه، حتى تتخلص منه في إطار صفقة دولية تستفيد منها في ملفات أخرى.
وما زالت روسيا تتابع دورها الخبيث، عندما دفعت بعض الضباط ورجال الأعمال الموجودين في روسيا لدعم حركة مسلحة ضد القيادة الجديدة كي تذكرها بأنها قادرة على قلب الوضع وشاركت بخداع البعض من المتحمسين والمصدقين الوعود الروسية بأن حلّق طيرانها في أجواء الساحل عند المجازر الأخيرة والذي فهم كدعم ومساندة، وكذلك عند إطلاق شائعة عودة ماهر الأسد، وقدمت المعلومات على طبق من ذهب بأن هنالك تحرك مرتقب كنوع من حسن النوايا وكما قلت كرسالة تهديد مبطنة، طبعا روسيا مستغلة الظلم الحاصل على أهل الساحل وتريد أن تتاجر بدماء الأبرياء، وهي قادرة على أن تمنع أي مجزرة ضد سكان الساحل فلديها قاعدتين عسكريتين وجنود ومعدات وطيران وكل شيء، وسمحت للاجئين المدنيين بالدخول إلى قاعدة حميم كورقة أخرى للضغط والتهديد بها ولكن لا يهمها سوى مصلحتها فقد تعودت على التجارة الخسيسة في سوق السياسة الدولية.
كل المعلومات والمؤشرات تدل على خبث روسيا، وتلاعبها بالسوريين ومازالت على النهج نفسه فهي تتصرف بعقلية المافيا، التي هدفها الحصول على المكاسب دون النظر في الأسلوب، فالغاية عندها تبرر الوسيلة.
أقول كخلاصة: سقوط هذا النظام بشكل أساسي وكتراكم وكأسباب جوهرية، كان بسبب ثلاث نساء: أسماء الأخرس وبثينة شعبان ولونا الشبل، اللاتي كنّا مُسيطرات على الوضع الاقتصادي والسياسي والإعلامي عدا عن الأمور الأخرى، وكان بسبب ثلاث دول بشكل أساسي أيضا، روسيا، تركيا، إسرائيل.
ولانغفل عن بعض القيادات والمسؤولين الكبار الذين كانوا سببا كذلك بجشعهم وفسادهم وظلمهم.