قرية اسمها الرّصافة

بدر أحمد

قبل أن تصل مدينة مصياف عن طريق وادي العيون، ستظهر لك قرية الرّصافة الوادعة الجميلة..
يلفتُ انتباهك تناثر بيوتها حول الطريق العام وصولاً إلى التلال الجبلية المحيطة..
مرّاتٍ ومرات، عبرتُ قرية الرّصافة ذهاباً وإياباً حتى حزيران عام 2022 حين قررتُ زيارة الصديقة الكاتبة والشاعرة نصرا ابراهيم...
ما إن تخرج عن الطريق العام، حتى تجد نفسك وسط حارات وزواريب تفتقر للخدمات.. بيوت قروية تحكي حيطانها مالايسرّ الخاطر.. بيوت متداخلة ومتشابكة كأغصان الأشجار..
وبدلاً من الحديقة حول البيت، قد تجد زريبة للماشية، فالرّصافة كمعظم القرى الجبلية، أو العلوية إن شئت، تعتمد في ستر فقرها على الزراعة والتحطيب وتربية المواشي..
تجد أولاداً أو فتية يركلون بؤسهم على شكل كرة قدم، ويا ليتها كرة قدم!
يتوقفون لحظة تاركين لك المجال لتعبر.. تستدلّهم على بيت الٱنسة نصرة، فيتطوع أحدهم لإرشادك.. تتبعه وهو يسرع الخطى كأنه يؤدي مهمة مقدسة..
كان الجو دافئاً مثل كأس المتة ومثل الحديث عن الشعر والقصة. دافئاً مثل حديث والدها عن المتنبي (ارتحم قبل أن يشهد فاجعة القرية مؤخراً).
كانت زيارة قصيرة فوجئتُ فيها، فلم أكن أتوقع أن أرى قريتي كما عهدتها قبل عقود...
صحيح، لم يتسن لي يومها التعرّف على الكثيرين من أهل الرّصافة مع أن المكتوب يُقرا من عنوانه، ولكن..
هل بقي أحدٌ في العالم بعد نكبتها مؤخراً ،لم يتعرف على أهلها وبساطتهم وفقر حالهم؟!
بالأمس القريب، استباحوا الرّصافة وانتهكوا حرماتها وبراءة الحياة فيها.. عاثوا فيها قتلاً وذبحاً وتشريداً في الأحراج.. مشاهد مروعة يندى لها الجبين..
تكرر المشهد في بانياس وقراها وفي جبلة وقراها وغيرها وغيرها..
ولمّا ينته المشهد بعد..
فطوبى لمن استشهد ولم ير المشهد..
طوبى لرجل لم يتلعثم بالكلام، رغم مُصابه الفادح، إلا عندما حكى عن إخراج قلب ولده من صدره.
طوبى للأمهات الثكالى اللواتي يخفين شعورهن بخمار الحزن ونعمة الصبر..
يوما ما...
يوما ما!...
ستزول مظاهر الحرب..
ستزول ٱثار الفاجعة عن الجدران..
ستزول الحواجز والدُّشم من الطرقات والساحات..
لكن، هل ستزول الندوب من القلوب؟
ومن سيزيل الدُّشم من العقول؟!
جميلة الرّصافة كما أهلها الجميلين..
جميلة كما عيون أهلها..
عندما دخلوا القرية، قالوا لأحد شبابها "عيونك ملونين وحلوين"
واقتلعوهما قبل أن يرموه بالرصاص!