الخدمة المدنية والتسريح التعسفي

نزار بعريني

شهدت شوارع طرطوس اليوم تجمّعات غاضبة لمئات العاملات والعمال الذين طالتهم إجراءات "تسريح" غير قانونية أمام مباني مؤسسات الصحة والكهرباء، وكان لافتا حجم الاحساس بالظلم وخيبة الأمل من غياب مظلّة الحماية التي يقدّمها القانون العادل، وقد قضى معظمهم عشرات السنين في تأدية مهام وواجبات العمل بكلّ نزاهة وإخلاص.

يطرح استمرار اعتصام آلاف العاملات و العمال المسرحين بشكل تعسّفي أمام مؤسساتهم، دون أن يجدوا من يلبّي مطالبهم المشروعة، تساؤلات في عمق المشهد السياسي والقانوني السوري الجديد؟

هل هي "ضريبة" مستحقّة، لنجاح نهج وطني، يعمل على  "بناء مؤسسات قوية للدولة تقوم على الكفاءة والعدل، لا فساد فيها ولا محسوبية ولا رشاوي"، وبعض متطلبات "إعادة تأسيس الموارد البشرية والزراعة والصناعة وقطاع الخدمات" من أجل بناء "بنية اقتصادية  تنموية"؟ (خطاب النصر وخارطة الطريق).

على الصعيد القانوني: 

ما هي الصفة الشرعية لهذه المنظومة من القوانين ضد عمّال مؤسسات الدولة، التي تأتي برسائل "واتس اب"، لتلقي بظلها الثقيل على حياة آلاف الأسر "مُعدمة الدخل"، وتهدر حقوق آلاف العمال، حتى التي ضمنتها قوانين "سلطة النظام الساقط"؟
ألا يُفترض أن تكون قد سقطت منظومة  "الأحكام العرفية" البغيضة مع سقوط سلطة النظام، التي لم تقم  في الممارسة العملية على شرعية دستورية منذ ١٩٧٠؟

عند وصول السلطة الجديدة إلى الحكم، ألغت عمليا دستور ٢٠١٢، قبل أن تلغيه رسميا في "مؤتمر النصر" ٣٠ يناير، وخلال تلك الفترة "المؤقّتة"، وبعد الإلغاء الرسمي لدستور ٢٠١٢،... حصل  فراغ دستوري، لم تعلن خلاله السلطة الجديدة  "أحكاما عرفية" على طريقة سلطات الإنقلابات السابقة، لكن كلّ ما تمارسه على صعيد الإدارة والسياسة والأمن يأتي في إطار منظومتها "القانونية" الخاصة، التي تشكّل عمليا "أحكاما عرفية"، في ظل غياب دستور دائم، وإعلان دستوري مؤقّت.
ليس خارج السياق، تساؤلات تطرح نفسها:
هل سنشهد ولادة  إعلان دستوري، وطني، للمرحلة الانتقالية؟ مَن سيضمن توافق مقاصده ومخرجاته مع مبادىء ثورة الحرية والكرامة، وأن لايكون في الجوهر مفصّلا على مقاس مصالح ورؤى السلطة الجديدة، وبما يشرعن سياساتها الخاصة، ويشكّل في الممارسة العملية "أحكاما عرفية"؛ طالما لن تأتي  في سياق  "مؤتمر وطني تأسيسي"(١)؟
مَن سيضمن أن تلتزم بعض الفصائل " الغير منضبة" بهذه المنظومة "العرفية" الجديدة؟!
مَن سيضمن أنّ لا يتحوّل  "العرفي" تحت يافطة  "الإعلان الدستوري" إلى دائم، طالما أن المرحلة الانتقالية قابلة للتمديد، وغير محددة النهاية؟
هي تساؤلات مشروعة، لا يضعف من مقاصدها الوطنية والإنسانية وقائع تعقيدات المرحلة الناتجة عن "تركة" النظام السافل، بعد أكثر من خمسة عقود من الطغيان والقمع الوحشيّ والفساد، وما خلّفه من دمار مادّي ومعنوي، "ومن التدنّي المُريع للخدمات العامّة، ومن تفاقم العصبيّات الإثنيّة والطائفيّة التي عمل النظام البائد على تأجيجها، ومن الفراغ السياسيّ بسبب حرمان جيلين أو ثلاثة من الخوض بحرّيّة في القضايا العامّة"!
نطرح تساؤلات مشروعة، ونأمل أن تجد أذنا صاغية، نظرا لإدركنا ما يمكن أن ينتج عن غياب القانون العادل من تعزيز لحجم التحدّيات التي تواجهها السلطة الجديدة، سواء على الصعيد الداخلي، ومستوى حياة وعلاقات السوريين المأزومة، أو على الصعد المرتبطة بوقائع تفشيل الدولة، وتقاسمها إلى حصص بين أصحاب المشاريع الخارجية، والأذرع الميليشاوية المحلية، التي باتت مشاريع تقسيم، تتوافق مع سياسات وجود دول إقليمية وأوربية، وتشكّل بتكاملها أخطارا حقيقية على الأمن القومي السوري!
هل تدرك القيادتين السياسية والعسكرية لهذه المرحلة الانتقالية أنّ نتائج كلّ فشل على مستوى مواجهة التحدّيات الداخلية، المرتبطة بحماية السلم الأهلي وضمان حريّة وكرامة الإنسان السوري، تصب عمليا واقعيا  في تيّارات  قوى "التفشيل والتقسيم"، وتضع مصير سوريا، و أهداف سلطتها الانتقالية في بناء سوريا "قويّة ومزدهرة، وموحّدة" في مهبّ رياح الأعداء والخصوم؟
السلام والعدالة لجميع السوريين.

(١)-

لنقرأ ما أتى في خطاب السيد الرئيس حول المؤتمر: "استنادا لتفويضي بمهامي الحالية وقرار حل مجلس الشعب فإنني سأعلن عن لجنة تحضيرية لاختيار مجلس تشريعي مصغر يملأ هذا الفراغ في المرحلة الانتقالية وسنعلن في الأيام القادمة عن اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني والذي سيكون منصة مباشرة للمداولات والمشاورات و الاستماع لمختلف وجهات النظر حول برنامجنا السياسي القادم. وبعد إتمام هذه الخطوات سنعلن عن الإعلان الدستوري ليكون المرجع القانوني في المرحلة الانتقالية." تسلسل الخطوات، والمرجعية الشرعية واضحة:
يُشكّل  السيد الرئيس لجنة، تقوم بدورها في تأسيس  "مجلس تشريعي مصغر".
يقوم "المجلس التشريعي المصغر" الذي يشكّل "برلمان خاص في الفترة الانتقالية، بتشكيل لجنة لصياغة "الإعلان الدستوري" بعد الاستماع إلى حوارات "المؤتمر" الذي سيكون "منصة مباشرة للمداولات والمشاورات و الاستماع لمختلف وجهات النظر حول برنامجنا السياسي القادم"، وليس حول قضايا دستورية!!

فليس للمؤتمر صفة تشريعية، وحوارات المشاركين فيها تتناول "البرنامج  السياسي"، وليس  لمخرجات الحوار سلطة دستورية، تأسيسية، كما وفقا لما أتى في تصريحات سابقة للسيد أحمد الشرع قائد الإدارة الجديدة لقناة العربية، في ٣٠ ديسمبر الماضي. 

علما أنّه بعد قرار تعيين السيد أحمد الشرع رئيسا للجمهورية العربية السورية في مؤتمر النصر، تمّ تمديد المرحلة المؤقّتة التي كان من المُفترض أن تنتهي في مطلع آذار، لتبدأ المرحلة الانتقالية، الغير محدودة  المدّة، والتي قد تحتاج سنوات لتوفير شروط صياغة دستور واقعي، وإجراءات انتخابات سليمة.