تغيير سوريا أم التغيير في سوريا؟

محمد سلمان ابراهيم

في ظل ما حدث ويحدث فإن التغيير في سوريا يأخذ منحنيان مختلفان في الداخل، ومتطابقان بالنسبة للخارج.
فالتصاريح واضحة تعبّر عن تغيير في الداخل، وتصاريح عن تغيير خارجي ملتبس اللغة والمصطلحات والأهداف.
اختلط حابل الداخل مع نابل الخارج، في حين ينبغي وضع حدود وفواصل بين شكلي التغيير وأهدافهما.
فالتغيير الداخلي مطلب من داخل سوريا، ذو مصالح وطنية، والتغيير الخارجي يرتبط بمصالح دول اقليمية وكبرى تريد تغيير بعيد المدى ورسم حدود جديدة وتشكيل أنظمة على مقاس الغرب ومصالحه.
دعاة التغيير الداخلي يحلمون بحرية وديمقراطية حقيقية بعدأن طال غيابهما وتغييبهما أكثر من خمسة قرون عن الشعب والأرض، فترتفع أصوات مطالبة بنظام وطني يحل صعاب ومآسي وعقبات طالت آثارها السلبية الشرفاء من كل الأعراق والأديان والطوائف على الساحة السورية. أصوات تطالب بتغيير وإصلاح داخلي يخفف الإرهاق والإجهاد والارتهان إلى أطراف إقليم ودولية أثبت الواقع أنها جعلت من سورية ورقة للمساومة َوالمقامرة. إصلاح يتناسب مع حجم التحديات والنواقص البشرية التي غابت عن الأرض وهاجرت إلى أرض أخرى أكثر أمان وعمل ودخل.
فقد استفاق السوريون على حلم الحرية، يرغبون بتغيير بارادتهم، يريدون وطناً حقيقياً أقدر على تأمين حاجات البشر، وطن يربط الأحلام بالقدرات والموارد ولا يرتبط بهجرة مجانية، فالواقع ضاغط ومضغوط يضمر الكثير ويعلن القليل، وطن يتقدًم وينتصر على ذاته، وطن يحمي شعبه ويربط الحاضر بالمستقبل عبر عناوين رئيسية كالإصلاح السياسي وحرية تشكيل أحزاب وترخيص أنشتطها، وحرية الإعلام والصحافة، وإصلاح السلطتين التنفيذية والتشريعة، ومساءلة الأولى أمام الثانية، وتحرير السلطة القضائية واستقلالها وتحديث قوانينها وصياغتها صياغة عصرية لاسلطة فيها خارج القانون كسلطة حق عام، ورسم حدود هذه السلطة بما يكفله الدستور القادم، وإضافة سلطة رابعة "الصحافة صاحبة الجلالة" والتأكيد على الحق العام للمجتمع وموارده وثروته الوطنية.
إصلاح داخلي قائم على حوار وطني ومعرفة بالمقدمات والنتائج وربطها بعلاقات يسودها مفهوم المواطنة حقوقاً وواجبات. وإعادة صياغة الفكر القومي والوطني على ضوء مستجدات واقعية ترفض شعارات أصبحت عبئاً من الماضي إلى الحاضر والمستقبل.
نريد إصلاحات داخلية يتطلع إليها المجتمع المدني بما يتناسب مع حاجات الإنسان السوري بمنظور وطني عبر ورشات عمل ومسؤولية وقناعة لإرادة التغيير..
بينما يطرح الخارج تغيير يتقاطع فيه تغيير الداخل مع املاءات الخارج، فيما بعض الأطراف الخارجية تريد استبدال المجتمع وإلغاء هويته وتبعيته بمشاريع اقليمية َودولية، ورسم خرائط جديدة ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد من المغرب إلى باكستان وأفغانستان، وربط هذا الشرق بهوية جغرافية بعيدة عن الهوية الوطنية القومية، هوية تتداخل فيها أعراق وأديان وطوائف ومذاهب ومجتمعات، ليصبح هذا الشرق مسرحاً مفتوحاً ومرتبطاً بحاجات العولمة واقتصادها وبشركات متعددة الجنسيات والاستثمارات وبمجتمعات وأسواق مكتظة ببشر تتحرّك في إطار لا إنساني هاجسها ذاكرة مرعوبة لا يغيب عنها حفلات العذاب والقتل الشنيع، وعدم شفافية الغرب وتقاسم مناطق النفوذ القديمة الحديثة.
المطلوب تغيير داخلي الطرق والوسائل والأدوات، وإن كانت محاوره سهل الحديث عنها وأصعب ما فيها انجازها وتحقيقها.. نريد تغيير لا يخضع إلى شروط واملاءات الخارج.. تغيير تقوده نخب وطنية من جميع الأطياف ذات كفاءات علمية وعملية عبر حوار وطني مفتوح ومنفتح على مواقف ومفاهيم ذات أبعاد قومية ووطنية، نريد تغيير حقيقي يكفل الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والاعلامي وحرّية العبادة، تغيير يحترم عقول السوريين وثقافتهم المتأصلة من عمق التاريخ ومن تراثهم الأصيل، فلا دولة حديثة من دون هكذا أمن ومن دون حدود آمنة.
نريد تغيير بمشاركة مجتمعية وبمسؤوليات تحقق أهداف وطنية وإصلاح شامل بعيداً عن أفخاخ الماضي وقمعه الذي ساد عقود، لا نريد رفع شعارات أكل الدهر وشرب عليها، فلا تغيير بدون تنمية حقيقية على الصعد كافة.