مثال من الحسكة.. عندما تحتاج الرقابة إلى رقابة والمفتشون إلى تفتيش..!

يونس خلف ـ فينكس

لا نأتي بجديد عندما نقول أن الرقابة المالية لها أهمية كبرى في النظام المالي من خلال التأكد من مدى تحقيق الإدارة العامة لأهدافها، واكتشاف الانحرافات التي قد ترافق عملية الإنفاق، ولذلك تعتبر الرقابة السابقة هي الأمثل لأنها تحافظ على المال العام وخاصة عندما يكون قبل صرف النفقة.
قد تكون الرقابة مازالت تعترضها الكثير من المشاكل التي تحتاج إلى الدراسة المعمقة لإيجاد الحلول اللازمة لها. لكن هل يجوز أن تتحول إلى رقابة متعسفة؟
مهمة المراقب والمفتش التأكد من سلامة ودقة الحسابات في كافة جوانب الإجراءات والعمليات المالية، الأخطاء المالية، والاختلاس إن وجدت، ومراجعة ومراقبة تنفيذ الإنفاق ومدى توافقه مع أهداف الخطة المرسومة للدائرة أو المؤسسة.
اليوم ثمة واقعة تثير التساؤل عن طبيعة وأسس ومحددات المساءلة لأي موظف، وفي مقدمة هذه التساؤلات: كيف يتم رفع الظلم عن موظف عندما لا تكون الاتهامات المدونة بحجم الخطأ الذي يقع مع الأخذ بالاعتبار أولاً حتى إذا كان هناك خطأ؟ فكيف إذا لم يقع أي خطأ..؟لا يتوفر وصف.
لا نريد أن نقرر وجود خطأ من عدمه، فذلك له معطياته ومرجعياته وأصوله، لكن الواقعة التي بين أيدينا تتطلب التدقيق والإنصاف لأن الموظف متهم بصرف مبلغ مالي بقصد المنفعة.
عبد الصمد الشاهر يعمل رئيس دائرة في فرع محروقات الحسكة، ويتبع للفرع دائرة مستودعات بالقامشلي ومن صلب عمله كما يقول الذهاب بمهمة رسمية الى القامشلي لتفقد دائرة المستودعات والاشراف والمتابعة بمعدل مرة كل شهر كحد أقصى، كلف من قبل مدير الفرع بمهمة رسمية للإشراف وتفقد أحوال المستودع ومحتوياته ودوام العاملين في الدائرة. ووفقاً لما هو معتاد يخضع فرع محروقات كما باقي الدوائر والمؤسسات لدورة تفتيشية كل عام من قبل جهاز الرقابة المالية لتدقيق الصرفيات. فوجئ الشاهر وهو رئيس الدائرة الإدارية بفرع محروقات الحسكة بتقرير رقابي من الجهاز يتضمن تغريمه قيمة المهمة الرسمية التي قام بها، وأنه صرفها بقصد المنفعة (وفقا لماً ورد في تقرير الجهاز الرقابي)، والمطالبة باسترداد المبلغ المصروف وهو 4600 أربعة الاف وستمائة ليرة سورية.
ونحن هنا لن نضع شماعة الظروف الصعبة لتبرير ما حصل، لكن واقع الحال والكل يعلم ظروف ومعاناة السفر ضمن مناطق محافظة الحسكة، فكانت أجرة السفر الى القامشلي 4000 ليرة عندما سافر الى القامشلي بمهمة رسمية.
وكان الهدف من مهمته متابعة سلامة الوضع الوظيفي للعاملين وتطبيق التعميم الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء رقم 519 / 15 لعام 2014 حول التزام العاملين بالدوام الرسمي.
أيضاً وبموجب كتاب رسمي عبر الفاكس طلب المدير العام للشركة حضور رئيس الدائرة نفسه إلى مقر الشركة بدمشق تحت طائلة المسؤولية في حال عدم الحضور.
مع الإشارة أن الشركة لا توفر مكاناً للإقامة، إضافة إلى معاناة السفر من الحسكة الى دمشق وخطورته، باعتبار بعض المناطق لا تزال تحت سيطرة الاحتلال.
إلّا أن مفتش جهاز الرقابة المالية قام أيضاً بتغريمه قيمة المهمة المصروفة وهي نحو 279 ألف ليرة.
ولأن ما حدث قد حدث، فقد أصبح العامل الشاهر يعتذر عن السفر ليس تجنباً لمخاطر الطريق وظروف السفر الصعبة والخطرة وإنما لأن راتبه لا يغطي نفقات السفر إلى دمشق، فكيف يستطيع أن يعيل أسرته ويستمر بالحياة ويذهب بمهمات رسمية على نفقته. ومثال ذلك دعي في بداية الشهر الاول من العام الحالي 2024 إلى مقر الشركة بدمشق، لكنه تقدم بكتاب اعتذار بسبب الأعباء المالية التي تترتب عليه وتجنباً لاتهامه بقصد المنفعة. فأصبح بين مطرقة مساءلة الشركة عن عدم الالتزام وحضور الاجتماعات والمتابعات الضرورية وسندان اتهامه من قبل جهاز الرقابة المالية بصرف المهمات بقصد المنفعة.
المهم في نهاية الأمر أن مبلغ 4000 ليرة سيعاد إلى خزينة الدولة، لكن هل ما حصل للعامل الشاهر كان بقصد المنفعة؟ وهل أصحاب القرار في إدارة الشركة وفرعها في الحسكة أدرى بموظفيهم ومهماتهم ومدى ضرورة ذلك أم تقارير الجهاز الرقابي؟