بين مسلسلات رمضان ومسلسل غزّة الدامي

أحمد حسن- فينكس

كالعادة، لا زلنا، كعرب، تائهين بين مسلسلين، ما تقدّمه الشاشة وما يقدّمه الواقع، فبعد ستة أشهر من حرب الإبادة التي تتعرّض لها غزة، توصل مجلس الأمن الدولي لقرار يدعو لوقف النار فوراً، وبعد ذلك بسويعات معدودة ارتقت مجموعة جديدة من الشهداء، بينهم أطفال، إثر قصف بالطائرات على منطقة طلبت إسرائيل ذاتها من سكان الأحياء المحيطة بمجمع الشفاء المحاصر التوجّه اليها، بعد أن أمرتهم بإخلاء منازلهم.
في اللحظة ذاتها تقريباً كان "جو بايدن"، وهو الوحيد الذي امتنع عن التصويت لقرار مجلس الأمن، يردّ في واشنطن على المتظاهرين المتضامنين مع غزة، الذين قاطعوا خطابه حول الرعاية الصحية في غزة، قائلاً إن "لديهم وجهة نظر صحيحة"، وبالطبع فإن هذه "القول" ليس إلا محاولة لامتصاص غضب المتظاهرين في لحظة انتخابية حرجة للرجل، لكن ذلك لا ولن يمنعه، بالتأكيد، من الاستمرار في "خنق" غزة ومعها فلسطين كلها، اقتصادياً وعسكرياً، خاصة وأن "إدارته" التي تقدم 3.8 مليار دولار في صورة مساعدات عسكرية سنوية لإسرائيل، ناهيك عن المساعدات الإضافية الحالية، لم تتوصل حتى الآن، كما أعلنت وزارة خارجيته، إلى نتيجة تفيد بأن إسرائيل انتهكت قوانين الحرب الدولية!
وفي اللحظة ذاتها أيضاً، ولأن الرجل هو الحاكم الفعلي لأغلب "كانتوناتنا"، فإننا لم نتوصل، مثله، إلى "نتيجة تفيد بأن إسرائيل انتهكت قوانين الحرب الدولية"، لذلك يستمر بعضنا، ومعهم الخليفة العثماني، بتقديم مساعدات مادية ومعنوية/إعلامية لإسرائيل أكثر مما تقدّمه واشنطن لها، ويكتفي بعضنا الآخر بتظاهرات متفرّقة ضد مسلس القتل في فلسطين، فيما بعضنا الثالث لا يقوم حتى بهذا الأمر لأنه مشغول بتظاهرة المسلسلات الرمضانية التي يُراد من بعضها إعادة إنتاج "حرب البسوس"، ومن بعضها الآخر إعادة كتابة التاريخ بصريّاً –ومعه الواقع أيضاً- لصالح "المموّل الحالي" وتوجهاته ورؤاه، بعد أن "شغلوا" هذا المواطن بلقمة العيش ومحاولة النجاة الفردية من واقع بائس ومزرٍ.
خلاصة القول، هذا مشهد فاقع وفاضح في قباحته – سواء تمثّل بالدم السائل في غزّة أو بالكرامة البشرية المُراقة في سواها- لذلك فإن الانشغال، والإشغال، وإن كانا بخلفية بريئة ومحقّة، في "قباحة" بعض الرسائل التي تمرّر في مسلسلات رمضان، ليست إلّا جهداً ضائعاً في برّية الواقع الأقبح منها، والذي سيُنتج، إن استمر، ما هو أقبح أيضاً، وبالتالي إذا أردنا تغيير الصورة علينا أولاً أن نغيّر الأصل، وسوى ذلك ليس إلّا لغواً آخر على شاكلة لغو "رامز جاب من الآخر"، ولا شيء أكثر من ذلك.. وفي الفم ماء كثير.