هل تجاهل الحكومة لمطالب السوريين من السويداء متعمّد؟

السويداء- معين حمد العماطوري- فينكس

تعيش السويداء حالة من الفوضى بين مؤيد ومعارض للواقع، فيما الحكومة صامتة تمرر ما ترغب بتمريره من قرارات بهدوء ساكن، تاركة كما يقال الحبل على الغارب...
أكثر من عشرة أيام وما زالت الاحتجاجات الشعبية مستمرة في ساحات السويداء، مطالبة الحكومة التراجع عن قراراتها، والأخيرة إذن من طين وإذن من عجين، حتى صار الجو مناسباً لأيادي العبث كي تأخذ طريقها رويدا رويدا نحو إغلاق بعض مفاصل العمل الحكومي مثل فرع الحزب والقصر العدلي ومقر أعضاء مجلس الشعب وغيرها، ما دفع بأصوات تضج من عصف الموقف الضبابي... لابل تشكلت قناعة عند الكثير أن التجاهل متعمّد ومقصود للمطالب الشعبية في إلغاء القرارات الليلية المجحفة من قبل الحكومة والمحصور في رفع أسعار المحروقات والكهرباء والمياه وحوامل الطاقة وغيرها، دون مراعاة لأي اعتبار لتلك المطالب! وربما زادت بالطنبور نغما حينما أصدرت بعد أسبوع من قراراتها الليلية رفع سعر بنزين الأوكتان ٩٥ مرة ثانية ليصل نحو أربعة عشر ألف ليرة في الليتر الواحد وشبيه به مادة المازوت الحر.
هذا مؤشر على أن احتجاجات الناس ووقفاتها لا قيمة لها عند الحكومة، وهي لا تحمل أي وزن دستوري للشعب، وكأنها تقول بشكل واضح وجلي: افعلوا ما يحلوا لكم وأنا أفعل ما يحلو لي...
ذلك كله أدى إلى ردة فعل أقوى. الأمر الذي جعل المحتجين يرفعون سقف المطالب أكثر مطالبين برحيل الحكومة المعروفة بأنها ثقيلة الظل وغير مرغوب بها....
طبعا السويداء مطالبها سورية بامتياز، وهي مكون أساسي في بنية التركيب السوري، وتاريخها الوطني والاجتماعي يجعلها بمنأى عن مطالب تنحرف بها عن الخط الوطني العام... إلا أن التجارب أثبتت أن كل تجمع تتسلل إليه بعض الجهات المغرضة لتشويه مساره وتحريف طريقه، ولعمري ما تخلل ليس إلا أيادي الفتنة والعبث... وأوجدت بعض الصفحات والوسائل وسيلة لها لصب الزيت على النار لإشعال فتيل الطائفية والمذهبية التي هي أبعد ما تكون عن السويداء وأهلها...
تصريحات الرئيس الروحي لطائفة المسلمين الموحدين سماحة الشيخ حكمت الهجري واضحة، وهي: "تحقيق مطالب شعبية أقرها الدستور السوري"، وهي محقة ومشروعة للشعب، وهي مطالب دستورية ومشروعة ومع ذلك ما زالت الحكومة تعمل على تطنيشها....
كما أوضح سماحة الشيخ حكمت الهجري أن انحراف خط المسار الوطني والدستوري، وما يشاع من خلال الأصوات المغرضة هنا وهناك بعد زيارتهم لمقام الرئاسة الروحية في قرية قنوات لا يمثل الرأي الرسمي المعتمد من قبل سماحته، وأكد أن ما يصدر رسمياً عنه هو المعتمد، وليس ما يقال في مضافته من آراء متنوعة ومختلفة، خاصة أنه لا يستطيع فرز الأصوات وفق الاتجاهات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المتنوعة....
يقينا أن فن إدارة التنوع تكون باحترام جميع الآراء دون شرط الموافقة عليها.... السؤال المشروع الآن: ماذا يعني أن تقف الحكومة صامتة تمرر ما ترغب بتمريره من قرارات دون مراعاة لمطالب السوريين؟
ثانياً: الإعلام الرسمي الذي وقف محايداً تاركاً المجال لصفحات ووسائل خارجية تنقل ما تشاء وتقوم بتأويل ما تشاء دون أي حساب بتأثيره السلبي على المجتمع ومؤسساته الاجتماعية والرسمية؟
ثالثاً: هل رأي الحكومة أن استخدام أسلوب التطنيش والتجاهل هو الحل في الخروج من الأزمة؟ إذا كان الأمر كذلك، فهي قد جنت على الشعب السوري بأكمله ووضعت نفسها بخندق العدائية المباشرة له، وصنفت نفسها....؟ يبقى القول إن تاريخ السويداء وغيرها من المحافظات السورية لا يقبل بردة فعل الحكومة، وهذا نوع من التأجيج والتصعيد للموقف، من حيث درت أو لم تدر الحكومة....
ليس من قبيل أنها لا تريد تنفيذ مطالب مكونات طائفية على حد زعم بعض المتشدقين بالسياسة والثقافة، زاعمين أن تنفيذ مطالب شعبية من محافظة ما يعني تنفيذا لتوجيهات مذهبية، وهذه الفتنة عينها....
بل الأجدر بها ومن يروج لتلك الأفكار السامة أن يدرك جلياً أن مطالب الناس واضحة وهي سوريّة بامتياز وليست محصورة لصالح محافظة على حساب أخرى، أو طائفة على حساب أخرى... لعمري هذا التفكير يقلل من أهمية العقل الجمعي السوري خلال عقود خلت في توحيد الرؤية الفكرية والوطنية، ويمنح الجهات المغرضة والمعادية للوطن والوطنية الفرصة في اختراق الأوساط والمكونات السوريةً على اختلاف تنوعها.
وأعتقد جازماً أن المرجعيات الدينية والروحية لأي طائفة حينما تطالب بمطالب وطنية يصبح مكونها الديني مكوناً وطنياً وأفكارها أفكاراً وطنية... والخطاب الديني يكون خدمة لتحسين الوضع المعيشي والاقتصادي والقضاء على الفاسدين وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها وجيشها وقوانينها والثبات على ثوابتها، بعيدا عن ماهية طائفة ما، فهي تمثل الوطن. وفي حال لم يتم الاستجابة من قبل الحكومة على مطالب المرجعيات أعتقد انها تكون عبّرت عن فشلها الحقيقي في إيجاد قواسم مشتركة بين العقل الروحي والعمل الاجتماعي التطبيقي التنموي، وبرهان واضح عن فشلها وفسادها وإتاحة الفرصة للفاسدين والمنتفعين والمفسدين بالكلام المعسول الذي ظاهره ديانة وباطنه خيانة.
وبالتالي ما طالبت به المرجعيات الروحية واضح وجلي، وهي مطالب الشعب السوري، أي أنها وطنية بامتياز... فهل هذا الخطاب من شأنه إضعاف الدور والمكون وإظهار الطائفية والمذهبية؟ قطعاً لا. لذا علينا توحيد العمل في تحسين الوضع المعيشي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للناس.
إذاً نحن أمام مشهد يحمل السؤال المشروع: إلى أين تسير بنا قرارات الحكومة الليلية المجحفة؟....
وهل يبقى الشعب السوري رهينة لرحمة الفتات من حيتان الفساد والمفسدين؟...
أم أن هناك من يعمل على تثبيت القناعة بوجود الفجوة بين الشعب والحكومة مؤكداً أنها حقيقة وليست وهماً؟
مجدداً: هل هذا التجاهل من قبل الحكومة لمطالب السوريين من السويداء متعمد؟!....
فما عساكم فاعلون إذا الشعب السوري حمل بيرق وطنه، وهو علم الجمهورية العربية السورية ومشى تحته وفي ظله...؟
وقد حذرنا عبر منابرنا الإعلامية والثقافية مراراً وتكراراً، الحذر ثم الحذر من ثورة الجياع..