مقتطفات من "فلسفة البصل"

أحمد حسن- فينكس:

بعد آلاف السنين من قول المعلم الأول، "أرسطو"، إن الدولة "تستهدف قدر المستطاع أن تكون مجتمعاً مكوّناً من أنداد وأتراب"، نفذت إحدى هذه "الدول" المقولة الأرسطية الشهيرة بأن جعلت من أصحاب البطاقة الذكية، سواء كانوا مدعومين أم لا، "أنداداً وأتراباً" متساوين في.. شراء "البصل" دون أن يشعر أحدهم بالذّل!
وبالطبع لم يكن هذا المسار الطويل من مجتمع "المعلم الأول" إلى يومنا هذا سهلاً ومستقيماً دائماً فقد عبرنا، كبشر، الكثير من المطبات والعوائق والمنحنيات حتى وصلنا إلى هذا "المربع" ذي الرائحة النفاذة التي لا يخطؤها أنف حتى لو لم يكن بحجم أنف "سيرانو دي برجراك" الشهير، أو أنف "كليوباترا" الأكثر شهرة وأنوثة.
والحال فإنه تطور هائل يمكن للبعض -المأجورين من الخارج طبعاً- أن يحيله، ومعاذ الله أن يكون كذلك، إلى نوع بائس من أنواع الإدارة بالأزمات التي ترى أن اختلاق أزمة ثم حلّها أفضل طريقة لإشغال "المواطن" عن "أمور" أخرى بعد أن اكتشفت الطبقات الحاكمة في العالم كلّه، بحسب "ديفيد غرابير" وهو مأجور آخر، "أنّ السكّان السعداء والمنتجين الذين يتوفر لديهم وقت فراغ هم خطر مميت".
بهذا المعنى نفهم كيف أن "الدولة" المعاصرة لم تتوقف بقراءتها "البصلية" عند أرسطو فقط بل تجاوزته تاريخياً إلى الفيلسوف الإسلامي "مسكويه"، فقد أخذت مقولة الرجل الذي يعتبر فيها: "إن القيمة الحقيقية للإنسان تتحقق حين ينصرف إلى الاشتغال بما يميزه كإنسان، أي النظر العقلي"، وأجلستها على قدميها، على غرار ما فعله "ماركس" مع فلسفة "هيغل"، بحيث جعلت من القيمة الحقيقية للإنسان المعاصر محصور فيما تحمله "بطاقته الذكية" من "بصل" يدخل به إلى المنزل دخول الفاتحين، وحينها فقط تبرز هذه "القيمة" بمعناها الحقيقي في نظر زوجته الفعلي والعقلي، أما أن هذه "القيمة" تنخفض في نظرته هو إلى ذاته فتلك ليست إلّا أضراراً جانبية متوقعة لكل فكرة إنسانية عظيمة.
هذا كلّه تقدم فكري محمود، لكن أكثر ما نخشاه اليوم أن تعود "الفلسفة البصلية" إلى ما قبل أرسطو وصولاً إلى "سقراط" الذي كان قد رفض الهرب من السجن وشرب السم إيماناً منه بأثينا وقوانينها، وهذا جيد وبطولي، لكننا نخشى -نحن الذين نؤمن بأثينا وقوانينها- في ظل هذا "التطور" الفلسفي المتسارع أن يكون "عصير البصل" هو كأسنا الوحيد.