السيناريو المفقود
د. لمياء عاصي- فينكس:
يخيم وحش التضخم على كل دول العالم، فبتنا نشهد كل يوم ارتفاعاً جديداً في أسعار السلع والخدمات كلها بدءاً من مشتقات الطاقة الى المواد الغذائية إلى الأسمدة وصولاً إلى تكاليف النقل، هذا التضخم عالميا حصل نتيجة عدة أسباب:
أولها: وباء كوفيد وما سببه من إغلاقات امتدت لفترات طويلة في اقتصادات العالم الكبيرة والمنتجة. السبب الثاني: هو الاختلالات الكبيرة في سلاسل التوريد في العالم.
وثالثها: الحزم المالية التي أقرتها الدول المتقدمة ووزعتها على مواطنيها من أجل المحافظة على قدرتهم الشرائية.
السبب الرابع: هو الحرب الأوكرانية، وما سببته من أزمات في انتاج وتوريد القمح والزيوت والأسمدة وغيرها.
أخيراً: ارتفاعات الفائدة التي أصدرها الفيدرالي الأمريكي على الدولار، وانعكاسات ذلك على سعر العملات الوطنية وخصوصا المقيمة بالدولار.
توقع تقرير للأمم المتحدة، صدر يوم 12/5/2022، "نمو الاقتصاد العالمي 4% في 2022، انخفاضاً من 5.5% العام الماضي، وأن يستمر بالانخفاض الى 3.5% في عام 2023، بفعل الاغلاقات نتيجة موجات جديدة من الإصابات بفيروس كورونا وتحديات سوق العمل واختناقات سلاسل الإمدادات وارتفاع التضخم".
حاولت الكثير من الدول مواجهة آثار ارتفاع معدلات التضخم العالمي، من خلال تبني حزم سياسات اقتصادية يتم فيها التركيز على بعض النقاط وأهمها:
- العودة الى سياسات ترشيد الاستيراد، والاقتصار على استيراد مستلزمات الإنتاج والسلع الضرورية، والاستغناء عن الكماليات والسلع غير الضرورية، وحسب الإمكانيات بدأت كثيراً من الدول بتصنيع أو زراعة بعض مستلزمات الإنتاج محلياً.
- زيادة مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، ورفع كفاءة الإنتاج الزراعي أو باستخدام الأسمدة البديلة واعتماد التقنيات الحديثة لزيادة كمية المنتجات الزراعية، لأن الأمن الغذائي هو الأهم وسط ظروف تنذر باضطرابات في توريد السلع الغذائية.
- توسيع القاعدة الإنتاجية الصناعية، سواء بتأمين التسهيلات الائتمانية والقروض وتقليل الإجراءات البيروقراطية بالنسبة للتراخيص للمشاريع الصناعية، لضمان مساهمتها في الإنتاج الصناعي وتخفيض قيم المستوردات وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
- رفع القدرة الشرائية للمستهلكين، من خلال زيادة السلة السلعية والخدمية التي يستطيع الراتب الشهري شراءها، لأنه بدون القدرة على الاستهلاك لا يتمكن الانتاج الصناعي والزراعي والتجاري من تحقيق الجدوى، ولا يكون له القدرة على الاستمرار، فكثير من الدول ومنها الهند مثلاً، قامت بتخفيض الضرائب والرسوم، ودول أخرى مثل كندا قامت برفع الحد الأدنى للأجور مباشرة، كل تلك الإجراءات اتخذت لتخفيف آثار التضخم.
- بناء تحالفات تجارية خارجية، تمكّن البلد من تصدير الإنتاج المحلي، واستيراد السلع الضرورية ضمن ترتيبات مالية خاصة وتبادلات سلعية، لتحقيق السيطرة على سوق الصرف وتقليل الضغط على طلب الدولار.
النقاط الخمس السابقة، تبدو بديهية لمواجهة آثار التضخم الذي قد يتحول لركود.
ولكن في سورية، هل تبنينا سياسات اقتصادية تخفف آثار الأزمات على الناس؟
في سورية، وبغض النظر عن الظروف الدولية، فإن معاناة المواطن جرّاء تدني القدرة الشرائية لدخله، والفجوة الكبيرة جداً بين دخله الشهري ومستلزماته من السلع الغذائية والضرورية، يجعله يدور في دوامة الفقر والغلاء.
واقع الحال الاقتصادي، ينبئ بأننا وما عدا النقطة الأولى، المتعلّقة بمنع استيراد الكماليات والاقتصار على الضروريات، لم نشهد أي سياسات اقتصادية أو حزم خاصة، تساعد اقتصادنا على الخروج من أزماته، بل بقيت الأمور تعالج بطريقة "كل يوم بيومه" وبشكل يخلو من التغييرات الحقيقية وأقرب الى الإجراءات المجزأة.
قد تكون السياسات النقدية الأكثر تغييراً خلال السنوات السابقة، و المفروض أنها اتخذت لتخفيف معدلات التضخم من خلال تقييد حركة الأموال وحجم الكتلة النقدية في الأسواق، سواء تلك المتعلقة بسقوف السحب اليومي من المصارف أو بتحديد سعر الحوالات الخارجية أو ألية تمويل المستوردات أو التعهد بإعادة القطع الأجنبي للمصدرين، ولكن هذه السياسات كان لها أثر سلبي على الإنتاج، كما أنها لم تستطع السيطرة على التضخم، لأنه ناجم عن ارتفاع تكاليف المواد اللازمة للإنتاج وقلة العرض وليس عن ارتفاع الطلب.
رفع القدرة الشرائية ليست مكافئاً لرفع الرواتب والأجور فقط، بل أن تبني قاعدة "دعه يعمل.. دعه يمر" من شأنها أن تؤدي الى زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي، لأنها تعني إعطاء كثير من التسهيلات لإقامة المنشآت الإنتاجية وإلغاء جميع المعوقات البيروقراطية والإدارية ولو لفترة معينة، إضافة الى محاربة الاحتكار، و يمكن أن تكون أولى خطواته وأهمها تسهيل دخول لاعبين جدد الى مجال الاستيراد أو الإنتاج.
أخيراً: بالنسبة إلى بناء تحالفات تجارية خاصة، لم يلمس الناس أي جديد في هذا المجال، بل بقيت تحالفاتنا التجارية في إطار التحالفات السياسية لبلدنا، مع أن في العالم فرصاً كبيرة بحاجة لبذل جهود كبيرة، مثل الصين، التي تجد في بلدنا فرصاً واعدة وجديرة بالاهتمام، مثل: الموقع الجغرافي وقربه من أسواق الاستهلاك، خصوصاً بعد ارتفاع تكاليف النقل البحري، ولضمان منافسة البضائع الصينية للبضائع الأخرى.
التجارب العالمية تظهر بأن الفرص الاقتصادية الكبرى تحتاج لجهود حثيثة وتفكير من خارج الصندوق.