رحلة البحث عن حلول

د. لمياء عاصي- فينكس:
لا نذيع سراً اليوم. إذا قلنا بأن الاقتصاد السوري يدور في حلقة مفرغة من الشح وقلة الموارد والاحتكار، تعمقت هذه الظواهر في اقتصادنا حتى باتت حقائق تغلّف كلّ الأنشطة الاقتصادية، بالتأكيد أن ذلك نتج عن عدة أسباب مجتمعة، أهمها سنوات الحرب الطويلة التي سببت دماراً جزئياً في البنية التحتية للبلاد والمؤسسات الإنتاجية وبعض المناطق السكنية, إضافة للانكماش في الناتج المحلي الإجمالي, والذي يعبر عن تراجع الأنشطة الاقتصادية الصناعية والزراعية والخدمية.

ولكن كل تلك العوامل وغيرها, لا تشكل الأسباب الحصرية لما حدث و يحدث اقتصادياً, بل أن هناك أسباباً ناجمة عن قصور داخلي وذاتي, يتعلق بعدم وجود رؤية شاملة واستراتيجية طويلة المدى نسبياً, ومقاربة المواضيع الاقتصادية بذهنية تقليدية ومعالجتها بطريقة مجزأة وغير متكاملة أي "كل يوم بيومه", كل ذلك ساهم بشكل كبير في تعميق كل المشاكل التي تعصف بنا.
تلمس طريق الخروج من المأزق الاقتصادي وتحريك عجلة الإنتاج ليس مستحيلاً، ولكنه يتطلب وجود عدة عوامل أهمها:
1. تغيير الذهنية النمطية السائدة في مفاصل القرار الاقتصادي نحو ذهنية أكثر انفتاحاً ومواكبة للمتغيرات العميقة التي طرأت على كل مجالات الحياة في العالم, إن التخلي عن الذهنية النمطية التقليدية لم يعد خياراً, كذلك البحث عن طرق جديدة بما يخص طرق التمويل والإدارة والتطوير ليس ترفاً أيضاً, فالكثير من الشركات العالمية فشلت في الاستمرار و اختفت ببساطة لأنها عجزت عن مواكبة المتغيرات التي طرأت على الحقول العلمية والتقنية, فما فرضته تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتقنيات المصاحبة لها من تغير سريع في نمط الأعمال في آخر ثلاثة عقود, يعادل التغير الذي شهدته البشرية خلال القرون العشرين الماضية كله.
2. تطوير رؤية واستراتيجية طويلة الأمد، تحدد مكامن القوة ونقاط الضعف والأهداف المرجوة من تطبيق هذه الرؤية، وملامح الطريق الذي يؤدي الى تلك الأهداف، و أن تكون تلك الرؤية والأهداف معلنة، هذه الوثيقة ستخلق ثقة عند الجميع، بأن القرارات المستقبلية ستكون منسجمة ومتكاملة ضمن إطار تلك الاستراتيجية والرؤية، و ذلك سيؤدي الى الابتعاد عن ذهنية إصدار القرارات الفورية لمعالجة مشكلة ما، بدون الأخذ بعين الاعتبار تأثيرات ذلك القرار أو الحل على المدى المتوسط أو الطويل.
3. النهج الاقتصادي للمؤسسات العامة، يجب أن يقوم على قواعد السوق واشراك المال الخاص وتحقيق المنفعة لكل الأطراف، هذا النهج هو الوحيد القادر على تحقيق التشغيل والكفاءة وتحقيق التوسع في القاعدة الإنتاجية أو الخدمية من مصانع، وإعادة الحياة للمشاريع المتعثرة هنا وهناك، بعيداً عن الشعارات والكلام الذي يحقق أي نتائج إيجابية.
4. إن مشاركة الرساميل والمدخرات الوطنية وتوظيفها في القنوات الاستثمارية التي تحتاجها القطاعات المختلفة, هي مسألة أساسية وتستحق سن القوانين المناسبة لتحقيق تلك المشاركة, فمغادرة رؤوس الأموال من البلد الى دول أخرى تستقطبها وتؤمن لها التسهيلات, في بيئة استثمار مشجعة أصلاً, فيه ضرر كبير للاقتصاد الوطني, ونذكر مصر كمثال: حيث استقطبت أموال السوريين, الذين قاموا بتأسيس صناعات بلغت 30% من اجمالي الشركات الأجنبية في مصر, حسب إحصائية أصدرتها وزارة التجارة والصناعة في مصر, إضافة للإمارات ودول أخرى.
5. لا بد من إرساء المفاهيم والقيم المتعلقة بحفظ الأموال والملكيات الخاصة, والثقة باستقرار التشريعات الضامنة لها، ولن يأتي المال للمساهمة في إعمار البلد, إلّا إذا وثق بأنه سيكون بمأمن من المصادرة والاستملاك.
6. لا بد من تغيير هيكلية ملكية الشركات العامة وبنيتها التنظيمية و إدارتها، بما يتناسب مع تنوع المالكين لرأس المال، بعيداً عن التعيين السياسي للإدارات العليا في المؤسسات العامة, الذي كانت نتيجته, تكبّد الخزينة العامة لخسائر هائلة ودائمة, جراء فشل تلك الشركات, حسب التقارير المالية للجهاز المركزي للرقابة المتتالية, هذا التغيير متاح قانوناً من خلال قانون الشركات لعام 2011, المادة 216, التي نصت على السماح بتحويل الشركات العامة إلى شركات مساهمة مغفلة وتحويل ملكية هذه الشركات إلى أسهم يتم تداولها في سوق الأوراق المالية.
7. التخلص من نظام القلة والاحتكار، الذي نشأ مع كثرة التعقيدات والإجراءات المتعلقة بكل النشاطات الاقتصادية، والحل يكمن من خلال تفعيل دور هيئة المنافسة ومنع الاحتكار، وإعطاء التسهيلات وتقليص الإجراءات والبيروقراطية للاعبين الاقتصاديين، الذين تقلصت أعدادهم لأسباب مختلفة، ومعروف أن الاحتكار يساهم في ارتفاع الأسعار وإضعاف القوة الشرائية، الذي يرفع معدل التضخم، ويسبب الدوران في دوامة الفقر والعوز لغالبية المواطنين.  
في رحلة البحث عن حلول للخروج من الوضع الاقتصادي المتأزم و المتعثّر في سورية، لا بد من التفكير جدياً, بإتاحة فرص العمل أمام الناس, وتطبيق مقولة "دعه يعمل.. دعه يمر"، فنحن بأمس الحاجة إليها اليوم.
أخيراً: لابد من القول بأن رحلة النهوض بالتأكيد ستكون صعبة, ومحاطة بالكثير من الصعوبات و العثرات, ولكن مع الإرادة لا شيء مستحيل.