كلمة علويّة على هامش الانتخابات النيابية اللبنانية
الشيخ شادي عبده مرعي- طرابلس الشام
عندما يضطر شيخ علوي مثلي لإطلاق هذا الصرخة الموجعة في زمن اختلال المفاهيم واضطراب الأحداث والأشخاص، بعد أن أكل الوهم والغرور رؤوس المرشحين العلويين: فالأمر خطير والخطب جلل..
وعندما تموت النصائح والارشادات، وتُوأدُ المصلحة العامة في مهدها، لِتُقرع فوق جُثثها طبول الغباء والتذاكي، بضجيج صاخب يُذهب هيبة العلويين، ونرجسية فاقعة تسهم في تضعيف مشهدهم المتردي..
عندها، وعندها فقط كان لا بُدّ وأن أخرجَ نافضا لتراب السكوت، رافضا التغاضي عن هذه التعديات المتمادية على تصدر المشهد العلوي في لبنان. فالواجب الديني، والتكليف الوطني يفرضان الرفض لهؤلاء المتسللين في غفلة عن خلو الساحات من الحكماء. سيتقولون عني ما يتقولون، فقد اعتاد هذا الفقير على لفحات حقدهم الملتهبة. وسيتساءلون: ما باله انقضّ علينا دون سبب يُذكر؟ وفي هذا تذاكٍ بمقام الغباء؛ إذ أن في انقياد الأطماع إلى مصارع السلطة ما يحدث مستنقعا من الأحقاد في وحول العنجهية الفارغة. وهذا كافٍ ووافٍ شرعيا ووطنيا؛ لذلك لن أطيل في تعداد الأسباب وراء هذا الاستنكار، فقد بلغ الاستهتار حدا لا يطاق. على أنَّ في هزلية المتسللين انعكاس مؤلم لضعف المشهد العلوي الذي يعكس استمرارا واضحا للتخلّي المستدام عنه من الحلفاء كل الحلفاء.
ويقف شيخٌ طموحٌ مثلي، وحيداً على مفترق طرق الأوهام والموهومين؛ ليقارع أضاليلهم، ويصارع تصريحاتهم، نصرة لتاريخ قد يكتب يوما ما.
ولقد عبّرتُ بمقالين سابقين عن رؤيتي للمرشح العلوي في هذا الزمن الرديء، كان الهدف منهما أن يحتاط المرشحون قبل خوضهم غمار هذا السباق الانتخابي الأهوج؛ فالمعركة الانتخابية ضمن الطائفة العلوية ليست كسواها؛ والمرشح العلوي يجب أن يكون استثنائيا بقدراته وامكانياته، ولكنهم جميعهم دون تحفظ ساهموا في تسخيف المقام، وتسعير نار الأهواء تحت رماد الجمود والفشل.
وضاعت البوصلة بين جذب نرجسي، وطرد شعبي؛ وضاعت معهم الهُويَّة العلوية الانتمائية الضائعة أصلا في لُبنان؛ فالعلويون (اللبنانيين) استثناءٌ وجوديٌّ خاصٌّ على هذا الكوكبِ، تُنهكهُ التّعقيداتُ العائليّةُ الّتي تعاقَبَ الإقطاعُ السياسي والدّيني على ترسيخها في أذهان العامة، فراحتْ تُثْبطُ كلّ اجتهادٍ، وتقتلُ كلّ نبوغٍ وإبداعٍ ، وتُثقلُ كاهلُهُ بالإنفصاماتِ العميقةِ بين وِلاءاتٍ داخليَة وخارجيّة..
فالأول: نجحَ بتصحيرِ السّاحةِ الثّقافيّة وتسخيفِ الجميعِ أمام الجميع، بسياسةٍ يتوارثها الابنُ عن الأبِ، توريثاً أكيداً لا لُبسَ فيه لخليفةٍ مُنتظرٍ، والغاية من هذا التسخيفِ المُستدامِ للجميعِ: هو اقتلاعُ فكرة (البديل) عن سيطرتهم (الأصيلة). أما الإقطاعُ الدّيني فلا يُشبهه أي إقطاعٍ ظهر على وجه هذه البسيطةِ..
ومع هذه الحال، ما زالَ العلويون يُراوحون مكانهم، أو يتقهقرون في ظلِّ ما يعيشه لبنان من انتفاضةٍ ضدَ السّلطة الفاسدة، ولكن: بقي الإقطاعُ والنائبان والمجلس على كوكبٍ آخر.. وبدأ الجوع يضربُ أطنابه في بطونِ كثيرين، والاحتياجاتُ المُتضخمة قد تصل حَدّاً لا تحمدُ عُقباهُ، وما زال الثلاثةُ المسؤولون يغطّون في سُباتٍ عميق..
ويستمر معهم تهبيطُ الحيطانِ ( كما يُقالُ) على كل مُحتجٍ ، فهو السّلاحُ الفتّاكُ الّذي يُخرسُ ويُرعبُ كل من قال (لا) أو تساءل في مقام الاستنكار..
كل هذا التوصيف الرهيب قد لا يحيط بالمشهدية الحالية كلها، وإنما يعطي صورة سريعة عنها ربما. وهنا يجب القول بشجاعة: إن النائبين العلويين الحاليين قد قصما ظهر النيابة العلوية فهما وممارسة: فالنائب العلوي على لائحة ميقاتي سدّد بثبات ضرباته القاضية دون هوادة على الناخب العلوي الذي أشبعه انجازات خرافية على صفحاته الوهمية التي اتخذت من حصانته منطلقا للتشهير بكل ناقد، والتحقير بكل معارض، بعد أن طعنه في ظهره في اليوم الثاني فقط على نجاحه، ثم رفع الدعاوى على المحتجين.. أما النائب العلوي على لائحة التيار الحر، فمعظم المتسللين اليوم صوب المقعدين العلويين يتخذون من انقلابه ضد تيار المستقبل ذريعة لتسللهم على لوائح لا تشبه العلويين في شيء، ولسان حالهم: ننجح على لوائحهم، ثم ننقلب ضدهم، ونعود غانمين إلى بيئتنا.
أسلوب غادر، وطريقة ملتوية، تستفز كل علوي شريف. والمضحك عند بعضهم، تبريرهم القبيح: أنا أتحالف انتخابيا لا سياسيا، استغباء لمن يريد أن يصدقه..
وفي قراءة مسبقة للانتخابات عند العلويين: فالخروقات السياسية واضحة البرهان لا تحتج إلى دليل، وقد انقلبت شريحة كبيرة منهم ضد مبادئهم، التي كما يبدو كانت حصان طروادة للوصول إلى غاياتهم الدفينة. ويمكن تصنيف المتسللين إلى ست فئات، وفي هذا التصنيف آلام لا توصف:
المنقلب ضد أسياده ومبادئه بغفلة عن قوة قرار رادع: فهو المتخم بالشعارات الخشبية عن العروبة والرجعية والوحدة والخيانة والعمالة، ثم صار فجأة مع كل مشروع ضده شخصيا.. هو أول ما كذب، كذب على نفسه، وهنا يقال بحقه: ما بُني على باطل..
الوصولي: الذين تربّى في كنف زعامة طرابلسية، ثم نزل على لائحة أعدائها التاريخية متخذاً من خدمات تافهة، وشخصية غامضة، وقاعدة بيانات مهولة المرتكز الأساس في حملته التسللية.
المنفصم: ذو الوجوه المتعددة؛ فهو مع الثورة في طرابلس ضد السلاح (غير الشرعي) ومحاربة الخط والمحور والهيمنة، وهو مع القيادة في جبل محسن، والجندي المجهول في الضاحية.
الهابط: بزفته من وراء البحار، المتحصن بحاشية جاهزة للسب والشتم: لا يقبل تساؤلا أو استفهاماً، فهو الخدماتي في زمن الانتخابات على لائحة تتصيد انتماء العلويين.
الجامد: الذي لا يمتلك أية رؤية؛ فهو يحفظ عدة جمل يسوقها بتكرار ببغائي، عن تاريخه المفقود، ومستقبله الضائع.
الفاشل: الذي يمتلك كل أدوات المعركة الانتخابية، ثم يعيد انتاج فشله الأول، بالعقلية نفسها.
وفي الختام:
لا شيء يلوح في الأفق يحمل ريحا تغييرية، بل يبقى الوضع على ما هو عليه؛ فالنائبان العلويان لا قيمة لهما أينما كانا، ولكن: قد يسببان (كأسلافهما) نكسة في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى أمل.. ويبقى التجديد للفشل هو القائم،