وقد بدأت هيمنة الدولار الأمريكي على اقتصاد العالم, بإعلان الولايات المتحدة في بريتون وودز عام 1944, بأنها أنها ثبتت قيمة الدولار بالنسبة للذهب, وتعهدت بإعطاء أونصة ذهب مقابل كل 35 دولار, وهذا يعني بأنها لن تقوم بطباعة دولارات إلّا إذا كان لديها غطاء ذهب يساوي الكمية التي ستطبعها من الدولارات, وهكذا اعتمدت الدول على التعامل بالدولار في صادراتها ووارداتها لأنها تستطيع استبدالها بالذهب في أي وقت تشاء, وبعد حرب فيتنام وزيادة الدين الأمريكي لحدود كبيرة تفوق قدرتها على سداد قيمة الدولارات التي, وفي العام 1971, أعلن الرئيس الأمريكي نيكسون بأن الولايات المتحدة لن تبدل الدولار بالذهب حسب السعر الذي سبق ووضعته, وأن الدولار ستحدد قيمته عملية العرض والطلب على العملة الأمريكية, وحدث ما يعرف بصدمة نيكسون, وبعد ذلك طلبت الولايات المتحدة من السعودية, عن طريق وزير الخارجية هنري كيسنجر بأن تجري عمليات بيع النفط باستخدام الدولار, وأصبحت تقيم كل صفقات النفط بالدولار, وهو ما سمي بـ "البترودولار".
بالعودة الى السؤال الجوهري، حول إمكانية التخلي عن الدولار واستبداله بعملات أخرى؟
إن الولايات المتحدة ومن خلال طباعة الدولار, بدون أي تغطية, بالاعتماد فقط على قوة تداوله في التجارة الدولية, وحاجة الدول إلى امتلاكه واستخدامه سواء في تأمين مستورداتها أو تكوين احتياطاتها، هذه المعادلة ستتغير تدريجياً من خلال التغيرات التي حصلت في بيئة التجارة الدولية, وأهم تلك المتغيرات:
أولاً: ظهور العملات الرقمية المشفرة, التي احتلت حيزاً مهماً من أموال المستثمرين الذين اعتبروها بأنها وسيلة آمنة وبعيدة عن سيطرة الدول عليها, إن العملات الرقمية والمشفرة, والمزايا التي وفرتها فرضت تحديات كبيرة ستقلل الحاجة إلى الدولار.
ثانياً: استخدام الولايات المتحدة لسلاح العقوبات المالية والاقتصادية, على كثير من الدول بهدف الضغط على اقتصادها, أدى الى لجوء البنوك المركزية حول العالم بتنويع احتياطاتها كنوع من التحوط, وأصبحت حصة الدولار الأمريكي في هذه الاحتياطيات اقل لصالح عدد من العملات غير التقليدية, وأشار باري إيتشنغرين، المؤرخ الاقتصادي بجامعة كاليفورنيا, إلى انخفاض وجود الدولار في احتياطيات البنوك المركزية حول العالم من 71% في 1999 إلى 59% في 2021, وهذا ما أكدته الورقة البحثية لصندوق النقد الدولي، بأن حصة الدولار من العملات الاحتياطية العالمية شهدت انخفاضاً ثابتاً على مدار العشرين عاماً الماضية.
وثالثاً: التغيير الحاصل في بيئة وشبكة العلاقات المالية والتجارية العالمية المدفوعة بالتقانات الجديدة، والتي أدت الى قيام بعض الدول بإجراء ترتيبات الدفع المالية الثنائية أو المتعددة لتسهيل وتشجيع تبادل السلع بالعملات المحلية, وتعتبر دول آسيان, وهي مجموعة عشر دول وهي: أندونيسيا بروناي, تايلاند, سنغافورة, كمبوديا, ماليزيا, ميانمار, لاوس, فيتنام, الفيليبين), أنشأت تلك الدول "صندوق التبادل" أو swap fund , من خلال مبادرة شيانغ ماي متعددة الأطراف في عام 2000, هي أول ترتيب إقليمي، الهدف الأساسي منه المقايضة بعملات دول الآسيان بعيداً عن التعامل بالدولار، ومعالجة صعوبات السيولة في ميزان المدفوعات بعيداً عن صندوق النقد الدولي و زادت نسبة الجزء غير المرتبط بصندوق النقد الدولي من 20٪ إلى 30٪, ودخلت مبادرة شيانغ ماي المتعددة الأطراف حيز التنفيذ في 17 يوليو 2014, بترتيبات مالية بلغ حجمها 240 مليار دولار, بالإضافة الى تلك المبادرة، هناك ترتيبات ثنائية للمدفوعات بين اليابان واندونيسيا، بين الصين واليابان وغير ذلك من الاتفاقيات الهدف منها تعزيز التبادلات التجارية بين هذه البلدان بعيدا عن الدولار وصندوق النقد الدولي.
لعل العملات الرقمية و الترتيبات الثنائية ستكون الأكثر تهديداً للدولار الأمريكي, لتقليل الحاجة للتعامل به, ولأن أن أي عملة تأخذ قيمتها من حجم التعامل بها كوسيلة دفع وكمخزن آمن للقيمة, وسواء احتفظ الدولار الأميركي بدوره الأساسي في النظام النقدي الدولي أم لا, فإن متداولي العملات العالمية سيستمرون في البحث عن السيولة والمرونة والموثوقية والأمان.