في مهب التردد والتأجيل

د. لمياء عاصي- فينكس:

لعقود كثيرة مضت في سورية، كان يتم تلخيص الأزمات والاختناقات التنموية  عبر عناوين كثيرة، مثل: خارطة الفقر، مناطق العشوائيات السكنية، تطوير وتنمية الزراعة والثروة الحيوانية، تطوير خدمات النقل الداخلي، مصادر الطاقة النظيفة والبديلة، قضايا القطاع الصحي ومعالجة المشاكل المتعلقة بتأمين الأدوية والخدمات الصحية، إضافة  معالجة النفايات الصلبة والسائلة وغيرها، من المواضيع الأساسية لمتطلبات النمو الاقتصادي. واليوم، أضيفت الى تلك العناوين، عناوين أخرى مثل: تثبيت سعر الصرف ومعالجة العجز المالي في الموازنة و تدني القدرة الشرائية للمواطن السوري وارتفاع نسبة الفقر، حد انعدام الأمن الغذائي لشرائح واسعة من الناس.

بالعودة الى مشاريع البنى التحتية، نجد أن الصفة الغالبة لها والتي تسبب توقفها أو الغاءها، هي "التردد والتأجيل"، ولو أن التمويل هو السبب المعلن الأساسي لتوقف معظم تلك المشاريع إلّا أن بعضها قد يلغى بسبب تنافس أطراف نافذة مع بعضها، فمثلا: انتشار المناطق العشوائية على أطراف المدن، حصل لأسباب تتعلق بتأخر المخططات التنظيمية بشكل مبالغ به، حيث أن المخططات التنظيمية تمكث وقتاً طويلاً في الأدراج، ولا أحد يعرف السر وراء ذلك، غير الإتجار بالأراضي التي ستدخل المخطط، وعدم تقديم  البديل الملائم والمتاح  لتلبية احتياجات النمو السكاني، سواء من حيث السرعة في تلبية احتياجات السكن أو السعر المقبول.

بالانتقال الى مشاريع النقل الداخلي، نجد أن  صفة "التردد والتأجيل" سمة كل المشاريع، ففي عام 2006 كان قد طرح مشروع المونوريل لحل ازدحام النقل الداخلي  في عدد من المناطق من مدينة دمشق، وقد وصلت المراحل التحضيرية  للمشروع الى إقرار الجدول التنفيذي، ثم فجأة تم الغاء المشروع، ثم أعلن مشروع نقل آخر مهم لمعالجة الازدحام وتوفير وسائل النقل وهو "ميترو دمشق"، وقد نشرت خرائط للمشروع، ثم لم نعد نسمع عنه أي شيء، واليوم، يعتبر النقل الداخلي  أحد المعضلات المهمة في حياة معظم السوريين الصعبة، حيث  تقتصر وسائل النقل العامة على الباصات الصغيرة والكبيرة، بينما وسيلة نقل جماعي  مثل الميترو موجودة في معظم مدن العالم، ومثلها، مشاريع الكهرباء، سواء بناء محطات إضافية أو تنفيذ عقود صيانة حتى لا تخرج هذه المحطات من الخدمة.

في سورية، يعزى التأخير في تنفيذ مشاريع البنى التحتية، سواء كان متعلقاً بالمناطق العشوائية أو النقل أو الكهرباء لضعف التمويل أو عدم وجوده، لأنه يتم اعتبار الموازنة العامة للدولة عموماً والانفاق الاستثماري تحديداً، هي مصدر التمويل الوحيد، وهذا يعكس نظرة اقتصادية تقليدية ونمطية، لم تستطع أن تنتقل الى مشاركة أطراف أخرى في التمويل عبر "التشاركية"، هذا النموذج المالي، الذي يحقق شراكة بين الحكومات والشركات الكبرى  تم تبنيه في دول العالم، وبناء عليه تم تطوير نماذج مالية وهندستها وفقاً لاعتبارات عديدة تتعلق بقدرة الدولة على التمويل وظروف المشروع والأطراف المشاركين فيه من القطاع الخاص، تستطيع الدولة عبر "التشاركية"، منح عائدات استثمارية جراء تشغيل المشروع أو  منح امتيازات استثمارية لجزء من أملاك الدولة التابعة للمشروع، لفترات زمنية محددة للقطاع الخاص المشاركين في المشروع على مبدأ (الربح المشترك)، ومعروف، أن الكثير من الدول النامية، لجأت لمثل هذه الطرق التمويلية ونفذت من خلالها مشاريع عملاقة وعالية التكلفة.

من نافل القول، إن التأجيل والتردد في تنفيذ المشاريع الكبيرة المطروحة، وتعثرها في أروقة القرار الحكومي، يمكن أن يكون بسبب تضارب مصالح مجموعات الضغط على القرار الاقتصادي، والقادرة على التأثير على القرار الحكومي، ولكن عدم تنفيذ المشاريع التنموية الكبيرة سيكون عائقاً حقيقياً أمام تحقيق التنمية ورفع  كلف  تنفيذها لاحقاً، إضافة الى الدور الهام  لتلك المشاريع في رفع مستوى التشغيل و حل مشاكل البطالة، فمثلاً:  إن تطوير أحد المناطق العقارية، له علاقة بتنشيط وإيجاد فرص عمل لكثير من المهن المرتبطة مباشرة بقطاع البناء التي  تتجاوز 80 مهنة، وبالتالي  سيؤمن فرص عمل لكثير من العاطليين عن العمل.

أخيراً: لا بدّ أن يتم تغيير الطريقة الحالية في اتخاذ القرار الحكومي وإشراك المجتمعات المحلية للمناطق من خلال السير بثبات نحو اللامركزية الاقتصادية، وإعطاء المزيد من الاستقلالية والصلاحيات للدوائر والسلطات في المحافظات، مدعوماً بخبرات فنية مستقاة من بيوت الخبرة الاستشارية، لعل ذلك يسهم بفعالية في وقف ضياع المشاريع الحكومية التنموية في مهب التردد والتأجيل.