الحفر المتتالية

الدكتورة لمياء عاصي- فينكس:

في سباق محموم مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الذي تسببه القرارات الحكومية حيناً والقضايا العالمية أحياناً، تتسع الفجوة و تتعمّق بين الدخل الشهري والمتطلبات الأساسية، الكثير من الناس يتساءلون وماذا بعد!؟

برأي متخذي القرار إن الإجراءات والقرارات الصادرة عن الجهات الحكومية، هي الوسيلة الوحيدة المتاحة للحفاظ على المالية العامة للدولة وإدارتها، والكفيلة بتحقيق عدد من الأهداف كما يلي:

الهدف الأول، معالجة العجز الموازني, من خلال تخفيف فاتورة الالتزامات والأعباء الحكومية، لذلك قامت الحكومة برفع الدعم جزئياً عن المشتقات البترولية والخبز والسلع الأساسية، بغض النظر عن معدل أو متوسط الدخل الذي بات هزيلا جداً، بالتأكيد، رفع الدعم ولو كان جزئياً، سيؤدي الى رفع أسعار حوامل الطاقة بأنواعها، وبالتالي زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي والزراعي وتربية المواشي وغيرها، وبالتالي المزيد من ارتفاع معدل التضخم.

  • الهدف الثاني، السيطرة على سعر الصرف من خلال تجفيف السيولة في البلد.

لذلك اتخذت السلطات النقدية، قرارات بتحديد سقف للسحوبات اليومية من المصارف، وآخر لمنع نقل المبالغ النقدية بين المحافظات، إضافة الى شروط معقدة لتمويل المستوردات، وقرارات منع الاستيراد سعياً لتقليص حجم المستوردات والسيطرة على العجز التجاري في ميزان المدفوعات، كل الإجراءات والقرارات السابقة تمكنت من تحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف، غير أن ذلك لم يكن له أثر إيجابي على أسعار المواد في الأسواق، فهي ما زالت تسجل ارتفاعاً في الأسعار، والسبب الأساسي هو مجموعة القيود والعراقيل التي وضعتها الحكومة أمام العمل التجاري، والتي لا يستطيع تحقيقها إلّا العشرة المبشرين بالجنة.

في سورية، الواقع يقول بأن السياسات الاقتصادية الحكومية وخلال العشر سنوات الماضية، لم تتمكن من تحقيق أي من أهدافها سواء تأمين عيشة معقولة للمواطنين أو الحفاظ على القدرة الشرائية للعملة الوطنية، أو ضبط أسعار المواد وتوفرها، إضافة إلى السياسة النقدية التي ارتكبت الكثير من الأخطاء الكبيرة، وقد تم تصحيح بعضها، ولكن ذلك حدث بعد أن تكبدت الدولة الكثير من الخسائر، والأمثلة عديدة على ذلك، تمويل المستوردات هو المثال الأشهر، لما كانت الدولة تموّل المستوردين بالسعر الرسمي وهو أقل بكثير من سعر السوق السوداء، بينما السلع في السوق يتم تسعيرها وفق قواعد وأسس لا علاقة لها بالسعر الرسمي، وهكذا ذهبت الأموال الى جيوب المستوردين، وكان يكتفي البعض بالقول عن السعر في السوق السوداء بأنه "سعر وهمي". مثال آخر هو صناعة تجميع السيارات، التي كانت تستخدم لالتفاف على القانون واستيراد السيارات برسوم جمركية اقل وتجاوز قرار منع استيراد السيارات واستمر ذلك لعدد كبير من السنوات. مثال آخر، اكتشفت وزارة النفط متأخرة وجود الكثير من الكازيات المتوقفة والتي كانت تزود بالبنزين الذي يذهب الى السوق السوداء، ومعروف بأن وجود تعدد للأسعار سيفتح أبواباً للفساد والتربح غير المشروع، وأمثلة كثيرة أخرى كلفت الخزينة العامة الكثير من الأموال المسروقة.

يبدو من الواقع، أن صناعة السياسات العامة بلغت حداً كبيراً من التعقيد والصعوبة، الأمر الذي يجعلها غير ممكنة بجهود أفراد سواء وزراء أو لجنة اقتصادية، بل يجب الانتقال الى العمل الجماعي الذي يضمن تمثيل قطاعات واسعة من المجتمع.

لهذا لا بد من التفكير جدياً بالمقترح الماليزي القديم، وهو تشكيل مجلس وطني يقوم بإدارة اقتصاد البلاد، تكون الحكومة جزءاً منه إذ تشارك اللجنة الاقتصادية بكل أعضائها بهذا المجلس، ما يميز هذا المجلس أنّه يمثل معظم شرائح المجتمع، حيث المفترض، أن أعضاءه من الأحزاب السياسية ومجلس الشعب والنقابات والاتحادات وجمعيات المجتمع الأهلي والجامعات وشرائح أخرى، والميزة الأساسية لهذا المجلس أن صنع القرار الاقتصادي يأخذ جميع الآراء، و ستكون أولى مهامه معالجة المشاكل العميقة للمجتمع السوري وخصوصاً الفقر والبطالة وانخفاض مستوى المعيشة، إضافة الى إعادة هيكلة الإيرادات العامة للبلد بما يؤمن انفاقاً حكومياً يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد.

السياسات الحكومية يجب أن تكون بعيدة المدى، وتأخذ بعين الاعتبار انعكاسات وتأثيرات تلك السياسات على الاقتصاد، كما في لعبة الشطرنج يجب حساب الخطوات اللاحقة لكل خطوة يقوم بها اللاعب والأخذ بعين الاعتبار الخطوات المقابلة من الخصم، صناعة السياسات العامة واتخاذ القرارات ذات التأثيرات الخطيرة، تتطلب ادراك حقيقة أنه لكي يمكن إدارة اقتصاد الدولة بنجاح، لابد من تحديد هوية الاقتصاد ومسارات العمل به بدقة، اضافة الى ضمان المشاركة لتلافي المخاطر والتأثيرات السلبية لهذه القرارات، لا بد من التأكيد على أن عملية صنع القرار الجماعي هي مفتاح حل المشاكل العامة.