البحث العلمي الزراعي في سورية ودوره في التنمية الزراعية المستدامة
الدكتور نور الدين منى- فينكس*:
يعتبر البحث العلمي (الزراعي) نواة أساسية، ترتكزعليها زيادة الإنتاج؛ وإدخال الأساليب الجديدة لسد الفجوة الإنتاجية بين الوضع القائم وما يجب أن يكون عليه.. للمساهمة في ردم هذه الفجوة وتحقيق الأمن الغذائي.
البحث العلمي في کافة المجالات (بما فيها الزراعة): هو أسلوب منظم، يتم کخطوة أولى للحصول على بعض المعلومات والحقائق، وتستخدم لأجل معالجة مشکلة معينة.
يُعدّ البحث العلمي الزراعي نواة، ترتكز عليها بلدان العالم المتقدمة منها والنامية، في إيجاد الحلول التقنية والاقتصادية للزراعة.
فعلاقته بالتنمية الاقتصادية والزراعية.. والنتائج المترتبة على ذلك في رفع معدلات الإنتاج، وتحسين نوعيته، وإدخال الأساليب والتقنيات الحديثة في النشاطات الإنتاجية والإدارية للمؤسسات التنموية، لها دور كبير في تطوير هذه التنمية، وزيادة إسهامها في الدخل القومي للمجتمع.
وبما أنّ التحدي الذي يواجه معظم دول العالم الآن هو تحقيق الأمن الغذائي؛ فقد أصبح تكثيف العناية بالقطاع الزراعي، والاستثمار في مجال الابتكار والبحث الزراعي، ضرورة ملحة وأحد المرتكزات الأساسية للتنمية والتقدم.
- v تتجلى أهداف البحث العلمي الزراعي ب:
- زيادة الإنتاجية في وحدة المساحة (الهكتار)، مع الاستخدام الأمثل لكفاءة الري.
- تطوير واستدامة نوعية وإنتاج الموارد الطبيعية الزراعية (الأرض والمياه وإدارة الري...).
- المحافظة على البيئة وصيانتها بكل عناصرها، لتحقيق الاستدامة الإنتاجية.
- تطوير تصنيع الإنتاج الزراعي.
- v لماذا نبحث..؟
يعتبر البحث العلمي أسلوب وطريقة لاستجلاء الحقيقة والمعرفة.. لأنّ آثار البحث يفترض أن تؤدي للمعرفة وتكون أداة وقاطرة للتنمية.
- أهمية البحث العلمي تتجلى في آثاره ونتائجه المترتبة، والأثر الذي يتركه في المجتمع؛ إضافة لإغناء المعرفة في مجال البحث.
والبحوث الزراعية قد تكون مخبرية، أوحقلية تطبيقية، أو بحوثاً اقتصادية تتعلق بدراسة مشكلة إنتاجية محددة.
ومن أهم الشروط في إدراج البحث و تنفيذه، أن يكون البحث من ضمن استراتيجية وطنية؛ لأن البحوث الزراعية مكلفة مادياً وجهداً ووقتاً.
وهناك تنوع في مجالات البحوث الزراعية فهي تشمل (بحوث القطاع النباتي والحيواني، وبحوث المصادر الوراثية، وإدارة الموارد والمياه، وبحوث الاقتصاد الزراعي، وتقييم المشاريع من ناحية الأثر الاقتصادي والاجتماعي).
يمكن لهذه البحوث في الكثير من الأحيان، حل المشاكل التي يواجهها المنتجون الزراعيون، مما يؤدي إلى فوائد ملموسة.
وعلى سبيل المثال، يمكن التغلب على تدني مستويات إنتاج المحاصيل والماشية والأسماك عن طريق التحول إلى الأصناف والسلالات المطوَّرة حديثاً.
يفترض في الوزارة صاحبة العلاقة وهيئة البحوث التابعة لها، أن تعمل وفق استراتيجية وطنية للبحث العلمي الزراعي.
وفي كثير من الأحيان، يمكن أن يقال أن الاستراتيجية موجودة نظرياً، ولكنَّها ضعيفة من ناحية التفعيل والآثار الاقتصادية والاجتماعية لتلك البحوث.
- كيف يمكن أن نثق بمسؤول بحثي، سواء كان في مركز بحثي أم جامعي.. إذا كان قد سرق بحوثاً ودراساتٍ وأحياناً يزوّر المعلومات..؟!
وفي مثل هذه الحالات لا قيمة للأبحاث العلمية..!
- من صفات الباحث الناجح، أن يمتلك الحرية في التفكير العلمي، ويتعاطى مع المعلومة بمصداقية مطلقة وشفافية وموضوعية.
- v الخطوات المعتمدة في البحث العلمي الزراعي:
- تحديد المشكلة المدروسة أو الظاهرة الزراعية.. مثال تدني الإنتاجية لمحصول استراتيجي
أو تدني إنتاج حيواني.. أو انتشار أمراض..
هذه المشكلة يجب أن تكون مدرجة في الاستراتيجية الوطنية، مع ضرورة الترابط العضوي بين البحث العلمي والمتطلبات الوطنية، والتكامل بين الدراسات الأكاديمية والاقتصاد الوطني.
- يجب أن يكون لحل المشكلة أو الظاهرة المدروسة آثاراً اجتماعية واقتصادية.
- جمع المعلومات.. سواء كانت هذه المعلومات ثانوية موثقة في بيانات، أو يتم جمعها من دراسات حقلية أو مخبرية أواستبيانات، ثم تحليلها حسب أصول علمية، والحصول على نتائج، بعد أن يتم الإطلاع على أدبيات البحوث ذات العلاقة، لمعرفة إذا كان هذا البحث دُرس في بيئةٍ مماثلةٍ، بغية الاستفادة منها.
- الخطوة التي تليها العمل على تطبيق نتائج البحث والتكنولوجيا ونقله للمزراعين (تبني ونقل التكنولوجيا)، وهنا يلعب الإرشاد الزراعي دوراً هاماً لنقل هذه التكنولوجيا الزراعية من الباحث إلى الفلاح؛ لتحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المطلوب.
- ضرورة التنسيق لإجراء البحوث مع المراكز البحثية الدولية والمنظمات التنموية، والتي تساهم في نقل التكنولوجيا الحديثة. وحتى يتبنى المزارع تلك التكنولوجيا، ينبغي أن يلحظ انخفاضاً في تكاليف الإنتاج، أو زيادة في الإنتاج أو الإنتاجية، وارتفاع المردود والربح الاقتصادي.
- v ما هي آلية الربط بين البحث العلمي الزراعي والتنمية الزراعية؟
من المعروف أنّ المراكز البحثية والجامعات تنتج التكنولوجيا (التقانة) أي نتاج البحوث، وهناك منظمات تنموية حكومية أو دولية، تساهم في نقل وتبني وتطبيق التكنولوجيا لتحقيق الأهداف المرجوة، وهذا يعني بالمختصر أنّ البحث العلمي الزراعي وسيلة وأسلوب للحصول على تقنية حديثة، يؤدي تبنيها وتطبيقها إلى زيادة المحصول أو الإنتاج أو الاستخدام الأمثل للري، أو تقنية جديدة في المكافحة، وهذا ينتج عنه انخفاض في التكاليف، وزيادة العائدات والأرباح الاقتصادية.
وبهذا يمكن أن يتحقق الأمن الغذائي، وتصدير فائض الإنتاج، وجلب العملة الصعبة لميزانية الدولة... وبهذا يكون البحث العلمي الزراعي قد ساهم في التنمية الزراعية بشكل خاص والتنمية الاقتصادية بشكل عام.
وينعكس ذلك على التنمية الريفية.. ولهذا نقول إنّ البحث العلمي (الزراعي) هو قاطرة للتنمية المستدامة.
ولكن للأسف هذا لم يظهر واضحاً حتى الآن، أومترجماً على أرض الواقع في سورية.
فهناك:
* غياب آليات اختيار الباحثين وفق معايير علمية.. حيث يتم الفرز بشكل غير مدروس (وساطات- محسوبيات - ولاءات).. وهذا لا ينفع مع العلم والبحث..
* غياب الرؤية والتوجهات في الأبحاث الزراعية.. والبحوث لا تواكب التطورات والتقانة العلمية.
* ضعف في بحوث الإنتاج الحيواني و عدم إعطاء أهمية كافية للثروة الحيوانية من البحوث (إنتاج.. وصحة حيوانية).
* يلاحظ غياب دراسات "الأثر" أو ( Impact) في القطاع الزراعي.. علماً بأن كل مراكز البحوث الدولية والمنظمات العالمية في مجال التنمية، لا توافق على أي مشروع لأي دولة، ما لم يستوفِ شروط دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية والاجتماعية للمشروع أو البرنامج.
* ضعف التنسيق المشترك مع مراكز البحوث الدولية و منظمات التنمية الدولية.. والجامعات السورية. حيث تغلب الحساسية الشخصية على العلاقة بين الباحثين في البحوث الزراعية والجامعات، ويلاحظ أن العلاقات تنافسية أكثر منها تكاملية، وتحكمها المصالح المتبادلة..! يعني غياب آلية العمل المشترك في البحوث الزراعية.
* غياب دراسات وبحوث التوقع والتنبؤ على الإنتاج الزراعي.
* والضعف والنقص في تطوير أصناف زراعية مقاومة للجفاف والأمراض، وتطبيقات الهندسة الوراثية، ونظم مكافحة (مكافحة حيوية بيولوجية- متكاملة).
* تفتقر الزراعة السورية إلى اعتماد وتبني تقنيات النظم الزراعية المتكاملة Farming system أوبالأحرى غياب لهذه النظم الموجودة في دول كثيرة (الصين / ايران....) حيث يفترض تطبيق نظام زراعي لكل منطقة بما يناسبها.
- v معوقات البحث العلمي الزراعي:
- شح الموارد والتقلبات المناخية وتقلبات الأسعار العالمية وقلة التمويل، حيث تعتبر الاعتمادات المالية للبحث العلمي الزراعي ضعيفة جدا... وبشكل عام، ما تنفقه الدول العربية على البحث العلمي الزراعي نسبة إلى قيمة الناتج المحلي الزراعي يتراوح بين( 0.4- 1.3) %. والدول العربية تقع في آخر قائمة الدول، بما تنفقه على ميزانية البحث العلمي الزراعي.
- في بعض الحالات، الذين يقودون المراكز البحثية لا علاقة لهم بالبحث العلمي.
وينحصر عمل المسؤول البحثي بالقيام بدور إداري وإعلامي، إذ أن المواقع الإدارية البحثية تفتقر إلى معايير الجودة والكفاءة.
- وجود الاختلافات بين مسؤولي السياسات الزراعية والبحوث الزراعية، ينعكس سلباً على معدلات تطبيق التكنولوجيا، ومعدلات تطبيق البحوث.
- البعد الزمني.. فتطبيق نتائج البحوث في الوقت المحدد ينعكس على الأثر الاقتصادي.
- البحوث العلمية بحاجة ألى عدالة، وجو ديمقراطي، وحرية تفكير.
واستناداً إلى ما تقدم يمكن القول إنّه:
- يتم الحكم على نجاح مؤسسة بحثية (زراعية) من خلال العائد الاقتصادي والاجتماعي المتعلق بالمردود والدخل، والبعد الاجتماعي للفلاحين، وكذلك العائد المعرفي للأبحاث العلمية المنتجة.
- *أستاذ جامعي و خبير أممي سابق و وزير زراعة أسبق