إعادةُ توزيعِ الدعم.. بينِ الهِدف والوسيلة
عبد اللطيف شعبان- فينكس
مِشكورة الحكومات السوريّة على استمراريّةِ الدعمِ الكبير الذي يتلقّاهُ المواطن السوريّ في أكثرَ من مَيدان، والذي لا غِنى عنه في ظلِّ الظروف الاقتصاديّة الراهنة، ولا مصلحةَ في إلغاءِ الدعمِ الذي يتنادى لهُ البعض.
والدولة الأبويّة حاجةُ وطنٍ ومواطن، ولا صوابيةّ لرأيِ الذين يطرحونَ إنهاءَ عهدِ الدولة الأبويّة ويعملوا لِذلك، فالعُرف الشعبيّ يقول "الدولة أمُّنا وأبونا"، ولكن وجود حالاتِ خللٍ كبيرة، وعدمِ توازنٍ في حجمِ المُستحقّينَ والمُحتاجينَ للدّعمِ ونصيبهم دعا الكثيرَ منَ المُهتمّينَ بالشأنِ العامّ - وبخاصّة الاقتصاديّينَ والإعلاميّين - للمُطالبة المُتكررة بضرورةِ إعادةِ النظر في توزيعه، بما يُحقّق أفضلَ استفادةٍ منه، بعيداً عن أيّ هدرٍ وسوءِ توزيع.
هذهِ الإعادة تتطلّبُ المزيدَ منَ التأنّي والرويّة والحِكمة، في ما سيتمُّ من قراراتٍ وإجراءاتٍ تنفيذيّة في هذا الاتجاه، بعيداً عنِ السُّرعة في اتّخاذِ القرارات، والتخبُّط في تنفيذِ الإجراءات، فمن غيرِ الجائز حجبُ الدعمِ الماديّ كلّيّاً في هذا المجالِ أو ذاك، كما أنَّ الحجبَ الجزئيّ يجبُ أن يكون تدريجيّاً، وأن تكونَ إجراءاتهُ مسبوقةً ومُتوازية معَ إحلالِ البدائلِ الماليّة التعويضيّة. فقد يكونُ بمُستطاعِ بعضِ المَحجوبِ عنهم - جزئيّاً أو كُليّاً - تحمّلُ عواقبِ القرار لأيّامٍ مَعدودة، ولكن ليسَ بمقدورهم تقبُّلُ ذلكَ لأسابيعَ وأشهُرَ مَمدودة، تحتَ حُجّةِ حقّهم في الاعتراض، هذا الاعتراضُ الذي سيكونُ لهُ أعباؤهُ الاقتصاديّة والاجتماعيّة عليهم، عدا الزمن الذي قد يمضي لإعادةِ صدورِ القرارَ الصّائبِ والعادلِ في الاعتراض، ما سيجعلُ احتجاجَهُم ميدانيّاً وبالصّوتِ العالي، ولا مصلحةَ وطنيّة في ذلك.
إنَّ الخطأ المًمتدّ منذُ سنوات في توزيعِ الدعم لغيرِ مُحتاجيه ومُستحقّيه لا يُعالَجُ في حجبهِ عنهُم، دونَ دراسةٍ مُستفيضة تؤكّدُ تبريرَ جوازِ ذلك، معَ التمهيدِ التدريجيّ للحَجب، بما يُمكّنهُم منَ الاستعدادِ للتعايُش معَ الوضع الجديد. وكما كانت أغلبُ أشكالِ الدعم تشمَلُ جميعَ المُواطنين دونَ تمييز، فمنَ الخطأِ الأكبر حجبهُ عن شريحةٍ منهُم دونَ تقسيمِ هذهِ الشريحة إلى فِئات، فلا موضوعيّة في حجبِ الدعم كليّاً عن جميعِ الأسر من شريحةِ التجّار أو الصّناعيّين أو الأطبّاء أو المُحامين، فتساوي قيود السجلّات التجاريّة والمِهَنيّة بينَ كلّ شريحةٍ من هذهِ الشرائح لا يُوازيهِ تساوي الدخول أبداً، عدا عن أنَّ لدى العديد سجلّاتٌ في القيود، ولكن لا مُمارسةَ لهُم من خلالها على أرضِ الواقع. وشتّان بينَ طبيبٍ لديه عشرةُ مُراجعين يوميّاً أو أكثر، وبعضهُم يفتقد هذا العددَ في الشهر، فمئاتُ الأطبّاء لا يُغطّي دخلهُم مصاريفَ عياداتهم، ومن خلالِ مسحٍ اقتصاديّ حقيقيّ يُثبت أنّهُ من شريحةَ الفقراء، خلافاً لطبيبٍ لديهِ عشراتُ المُراجعين. وهكذا مكاتبُ بعضِ المُحامينَ والمُهندسين.
هل غابَ عن أعيُنِ السُّلطاتِ المعنيّة أنَّ محلّاتِ آلافِ الصناعيّينَ والحِرَفيّينَ الموجودينَ في الريفِ وبعضِ أحياءِ المُدُن شبهُ متوقفة عن العمل منذُ سنوات بسببِ انقطاعِ الكهرباء، وضَعفِ السيولة النقديّة لدى الناس، فالبابُ الخشبيّ أو المعدنيّ الواحد يكلّف الشابّ اليوم أكثرَ من كاملِ كلفةِ الشقّة السكنيّة التي دفعَها والدُه في سبعيّناتِ القرن الماضي، وشتّانَ ما بينَ مُغتربٍ تركَ أسرتَهُ ولا ارتباطَ لهُ بها لسببٍ ما، ومُغتربٍ يُغدقُ المبالغَ على أُسرته، ومُغتربٍ ذهبَ لإكمالِ دراستهِ العُليا، ومُغتربٍ ذهبَ بقصدِ البحثِ عن عمل، ولم يُوفَّق في ذلك.
وبالتالي من غيرِ الجائزِ شَملُ كاملِ شريحةٍ مُعيَّنة بنفسِ قرارِ حجبِ الدّعم، واعتمادُ حجبِ الدعم التدريجيّ المُسبَق عن فئاتِ كلِّ شريحة بموجبِ مُبرّراتٍ مُعتمَدة، على أن يترافقَ ذلكَ معَ إجراءاتٍ حكوميّة مُسبقة التحضير تؤسّس للتحويلِ الفوريّ لقيمةِ الدعم المادّي المَحجوب إلى دعمٍ ماليّ يُوازيه. فمن غيرِ المقبول حجبُ الدعمِ الماديّ عن مواطنٍ ما لم يؤمَّن لهُ الدخل أو الدعمُ الماليّ الذي يُمكّنهُ من شراءِ حاجيّاتِه، فحجبُ دعمِ الخُبزِ والمَحروقات عن أُسرةٍ دخلُها الشهريّ /100/ ألف ليرة سيؤدّي لاستهلاكِ أغلبِ دخلِها لتغطيةِ شراءِ هاتَين المادّتَين بالسّعرِ الجديد غير المدعوم، وبالتالي من أينَ ستأتي بالمالِ اللازم لتأمينِ بقيّةِ الحاجيّات، ما لم يتوازَ ذلكَ معَ إجراءاتٍ حكوميّة تُمكّنُها من تحقيقِ دخلٍ إضافيّ يُغطّي نَفقاتِها، فأصحابُ الدخولِ الكبيرة لا يصعبُ عليهم ذلكَ نتيجةَ السيولة الماليّة التي يملكونها، وهُم يُتقنونَ جيّداً وسريعاً تعويضَ ما يفتقدونهُ من الدعم مِن جُيوبِ مَن يحصلونَ عليهِ لقاءَ رفعِ أسعارِ مُنتجاتهم وخدماتهِم.
خطأٌ كبير حدثَ نتيجةَ ما صدرَ مؤخّراً - أو تسرّبَ مِن معلوماتٍ - عن إجراءاتِ السُّلطات في حجبَ الدعم، وتراجُعُ السُّلُطات عن خَطئِها هذا لا يُبرّرُ لها حُدوثَه، بحُجّةِ ضعفِ صوابيةِ المعلوماتِ المُعتمدة لديها، فتكرارُ التجريب أقربُ إلى التخريب، والخطأُ الأكبر في أن تتراجعَ – أو تتأخّرَ- السُّلُطات المَعنيّة عن إعادةِ توزيعِ الدعم، هذهِ الإعادة التي تتطلّبُ المزيدَ منَ التأنّي والحِكمة، وتحويلَ الدّعمِ الماديّ إلى دعمٍ نقديّ يُغطّيه، ولحظَ استمراريّةِ تواكُبِ ذلكَ معَ ارتفاعِ الأسعار، شريطةَ عدمِ تراجُعِ الدولة عن بعضِ دعمِها في أكثرَ من مَيدان، وبخاصّة التعليم والصّحّة، معَ ضرورةِ إعادةِ النظرِ بما يضمَنُ تحقيقَ الاستفادةِ المُثلى من هذا الدعم خِلافاً للهدرِ الواقعِ فيه.