التحليل الاقتصادي – الاجتماعي لمنتجات الثروة الحيوانية السورية

كتب الدكتور نور الدين منى- فينكس:

                   (حالة أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء) 

تلعب الثروة الحيوانية السورية دوراً مهماً وسريع النمو في الاقتصاد السوري؛ حيث تبلغ حصة الثروة الحيوانية 35 ٪ من قيمة الإنتاج الزراعي بالمتوسط ، و 15 ٪ من قيمة الصادرات الزراعية.

   تتم معظم عمليات تربية الحيوانات الزراعية بطريقة تقليدية وسرحية، ويغلب عليها نمط التربية في الحيازات الصغيرة. وتعتبر نشاطًا يفضّله معظم المنتجين الصغار والمزارعين ممن لا أرض لهم، والنساء الريفيات.

إلا أن إمكانيات هذا القطاع الزراعي الحيواني تعوقها عوامل متعددة:

استمرار نظم مشاعية الرعي، وعدم التنظيم، والتربية السرحية التقليدية، وسوء تنظيم وتسويق المنتجات الحيوانية، وعدم إعطاء أهمية كافية من البحوث ( إنتاج.. وصحة حيوانية) للثروة الحيوانية، ومشاكل توفر المراعي والأعلاف، والتسهيلات لمقننات علفية لتطوير الثروة الحيوانية، وكذلك صغر حجم القطعان، وانخفاض الإنتاجية، ومحدودية التحسينات الوراثية، وعدم التوازن في الحصص العلفية، وعدم كفاءة التحويل العلفي، والافتقار إلى أخصائيي التدريب في مجال تربية الحيوانات.

ويمكن للجهات الرسمية في وزارة الزراعة والمنظمات الفلاحية والجهات البحثية وبحوث الإرشاد الزراعي، أن تساعد في إزالة بعض هذه المعوقات، وبخاصة فيما يتعلق بشراء مستلزمات الإنتاج (المدخلات)، وتسويق المنتجات الذي يقوده الطلب.

الثروة الحيوانية السورية عمادها الأغنام (أغنام العواس)، وهو عرق أصلي سوري.. تعرّض كلُّه

لاستنزاف (تصدير جائر وغير مبرمج.. وتهريب مدروس ومخالف..).

والثروة الغنمية بحاجة إلى ترميم سريع وعاجل؛ لاستعادة القطيع الغنمي السوري إلى مستواه.

الثروة الحيوانية لم تلق الدعم الكامل لتطويرها، رغم أهميتها.  

من مؤشرات الاقتصاد الزراعي الحيواني السوري، انخفاض الاستثمارات الموجهة الى الإنتاج الحيواني من إجمالي الاستثمارات. وهذا لا يتناسب مع أهميته ودوره الأساسي.. والذي يعتبر مصدراً رئيسياً للبروتين الحيواني.

والطلب المتزايد على اللحوم الحمراء لم يرافقه زيادة في الإنتاج بنفس القدر.. الأمر الذي أدى لوجود فجوة غذائية في اللحوم الحمراء.

يمكن للقطاع الخاص الاستفادة من الاستثمار في نمو الثروة الحيوانية. وبالإضافة إلى ذلك

- يعد دعم السياسات و الاستثمارات ضروريين لدفع التقنيات والاستراتيجيات، التي تزيد من كفاءة موارد الثروة الحيوانية، و تقلل من التهديدات البيئية..، وزيادة استخدام التقنيات الحديثة في الإنتاج الحيواني.

اقتصادياً: يزيد الطلب على المنتجات الحيوانية (لحوم حمراء وبيضاء ومشتقات الألبان والبيض) زيادة كبيرة نسبياً بزيادة دخل المستهلكين. لذلك تكون وسيلة جذابة جداً لمشاركة الأسر الريفية في النمو الاقتصادي للمناطق الحضرية. وتعتبر هذه المنتجات مرنة اقتصادياً مع تغيرات السعر والدخل.

عندما يتحول تصنيف السلعة الضرورية إلى سلعة رفاهية أو ترفيهية.. كما هو حال اللحوم الحمراء (لحم ضأن) واللحوم البيضاء (لحوم دواجن).. فهذامؤشر لا يقبل النقاش، على أن الشعب السوري يعيش حوالي 90% منه تحت خط الفقر المدقع العالمي. لأن اللحوم تخضع لقانون الطلب والعرض مثلها كباقي السلع المتداولة.. ويؤشر هذا إلى:

- تدني الدخل للفرد.. وإلى حالة من الانفلات الجنوني لارتفاع الأسعار، وتضخم مالي فظيع، ومؤشر سلبي على تعثر العملية الإنتاجية؛ وأيضاً يؤشر إلى خلل وفشل حكومي باتباع خطة زراعية وتسويقية.. وتجارة خارجية.

- تعجز النظرية الاقتصادية في تفسير وتحليل، أن ترتفع أسعار اللحوم بشكل عام في سورية رغم تراجع الاستهلاك..

وهذا يناقض النظرية.

ومع ذلك يلاحظ استمرارية ارتفاع الأسعار، تحت ذريعة أن المحتكرين اشتروا السلع عندما كانت الليرة في أسوأ وضع مقارنة بالدولار.

- فشل حكومي فظيع.. على مستوى الإنتاج الزراعي، ومراقبة الأسعار، والسياسة الزراعية، والتسويق.     ثم تبرير أن الاحتكار؛ هو وراء ارتفاع أسعار اللحوم.. ومباركة السلطات الحكومية لذلك.

إضافة إلى ذلك إطلاق حملات غير منطقية مثل: زكاتك خفض أسعارك.. وليرتنا عزتنا. وكذلك تخدير الفقراء والجائعين بإطلاق حملات مسكنات: حملات مقاطعة اللحوم، والتوقف عن استهلا ك البيض.

- في ظل استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء ولحوم الدواجن، تتكرر التصريحات الحكومية

بأن الوضع الاقتصادي غير مستقر نتيجة الحرب والوضع القائم.

على الرغم من أن الكاتب، يعتبر ذلك شماعةً وليس سبباً.. شماعةً تعكس فشلاً في الإشراف والتدخل الحكومي في تأمين الأمن الغذائي الخاص باللحوم للمواطنين، أو ما يعرف اقتصادياً ب (فشل حكومي في إدارة الأزمات وخاصة الغذائية).

* ما هي الأسباب التي أدت وتؤدي إلى ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء ولحوم الدواجن، وإغلاق منشآت   الأغنام والتسمين والمداجن..؟!

- ببساطة يمكن القول إن الطلب على اللحوم مشتق من الطلب على مستلزمات الإنتاج. حيث تتأثر أسعار اللحوم (الناتج النهائي ) بأسعار العامل الإنتاجي (تكاليف العلف وبقية عوامل الإنتاج).

- تحت ظروف الحالة الطبيعية.. دون هزات أو صدمات (حروب.. .جفاف.. كوارث)،

ترتفع أسعار اللحوم إذا زاد الطلب عليها، وكان العرض شبه ثابت أو مستقر.

- مجموعة عوامل تتعلق بحجم القطيع الغنمي في البعد الزماني والمكاني.

- التصدير غير المبرمج والعشوائي للأغنام والأبقار أو منتجاتها، أو التهريب عبر الحدود الأردنية / العراق/ كردستان.. (وكلاهما مسؤولية حكومية)

ويتضمن كذلك حوادث من اللصوصية لسرقة الأغنام؛ ثم تهريبها إلى الدول المجاورة.. والسرقات والتعدي على القطعان في البادية.

- غياب التخطيط الإحصائي (مسح إحصائي فعلي وسريع.. يفيد في التخطيط والإدارة وتطبيق السياسة الزراعية؛ لصنع أفضل القرارات) والإنتاجي؛ وضعف إدارة القطيع بالشكل العلمي.. واستمرارية اتباع     الطرق التقليدية السرحية في عملية التربية، وغياب الطرق الحديثة التكثيفية.

- يتأثر حجم القطيع إما بالجفاف أونقص الأعلاف أو انتشار الأمراض (وهذه أيضاً مسؤولية حكومية). وهذا يستدعي تطوير ودعم القطاع الحيواني (زيادة حجم القطيع؛ إدارة حديثة وجديدة؛ تأمين الأعلاف).

- ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج الحيواني من الأدوية البيطرية والأعلاف.

- تدني مساحات المراعي (كمية الأعلاف).. نتيجة سياسات تضمنت سابقاً حراثة البادية بشكل عشوائي.

- يلاحظ غياب اعتماد أنظمة زراعية متكاملة؛ لإدارة القطيع الغنمي.

مثال نظام زراعي متكامل: شعير، بقوليات، أغنام (وهي أيضاً مسؤولية الحكومة والوزارة المختصة).

- ضعف في بحوث الإنتاج الحيواني.

- عوامل تفاقم مشكلة ارتفاع الأسعار.. عقوبات اقتصادية، ومعوقات استيراد أو تصدير، بما يساعد على تأمين الخلطات العلفية أو المقننات العلفية، سواء للأغنام أو للدواجن.

- ارتفاع تكاليف المواد العلفية المستوردة بالعملة الصعبة، وكذلك الأدوية البيطرية. يترافق ذلك مع تدني القيمة الشرائية لليرة السورية، والتضخم المالي.. بمعنى ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج للحوم الحمراء والدواجن.

- يلعب الاحتكار دوراً هاماً بارتفاع الأسعار (الأعلاف واللحوم). والاحتكار ليس بمعزل عن تشابكات وتوافقات وموافقات مع الحكومة (الفساد المستشري).

- كان لسوء التخطيط والتدخل الحكومي دوراً بارزاً في ارتفاع الأسعار، خارج الارتفاع الطبيعي.. حيث أن عزوف المربين عن تربية المواشي والدواجن؛ سيؤدي إلى قلة المعروض وارتفاع الأسعار.

وفاقمَ الوضع مؤخراً إغلاق بعض أسواق الأغنام في بعض المناطق، خلال فترة حظر كورونا.

- غياب سياسات تمويلية (قروض مُيسرة ودعم مالي لمربي الأغنام والدواجن).. مما جعل عدداً كبيراً من المنشآت تخرج من العملية الإنتاجية... وكان المواطن ذو الدخل المحدود هو الأكثر تأثراً.

- مع غياب شبه كامل لضبط الأسعار ومواجهة جشع التجار ومحاولة رفع الأسعار واستغلال الظروف الصعبة..

- وغياب رقابة تموينية صارمة لكل من تسول له نفسه التلاعب بالأسعار.. وترك السماسرة والوسطاء هم المتحكمون فى السعر.

- ذهنية المواطن الذي لا يعمل بمهن معينة.. حيث أن امتناع بعض الشعوب عن ممارسة مهن معينة؛ يزيد من تكلفتها، مثل ارتفاع تكاليف إنتاج ورعاية القطيع.. وندرة توفر الرعاة لرعاية القطيع.. أجرة الراعي مكلفة جداً. مثلاً قال لي صديق.. ولديه أغنام.. وبحثَ عن راعي...

وعندما قال لأحد الرعاة: لماذا أجرة الرعي مرتفعة..؟! ضحك الراعي، وقال له: بإمكانك أن تجد عشرين طبيباً، ولا تجد راعياً واحداً...!

والأنكى من ذلك، أن نسمعَ أن الدولة تمتنع أحيانا عن تسويق أو شراء محاصيل الفلاحين (الشعير).. وبنفس الوقت، تعطي موافقات لاستيراد أطنان من الشعير، وتغضُّ الطرفَ عن استيراد أدوية ولقاحات بيطرية منتهية الصلاحية.

للسيطرة على أسعار اللحوم، يتوجب تكثيف حملات الرقابة التموينية ضد الذين يستغلون الأزمة، ويقومون برفع الأسعار.... وبنفس الوقت تقديم الدعم الحكومي اللازم لمربي الأغنام والدواجن.

يبدو حتى الآن، أنه لا يوجد تحرك حكومي إسعافي ملموس لتخفيض أسعار الفروج والبيض واللحوم بشكل عام، بعد وصولها لمستويات غير مسبوقة.

وبالرغم من استقرار نسبي في سعر الصرف، إلا أن أسعار الأعلاف لا تزال في تزايد مطّرد.

يصل حالياً سعر كيلو الفروج المذبوح من ( 8 -10) آلاف ليرة سورية، وسعر كيلو شرحات الفروج من( 17 – 20) ألف ليرة سورية ويختلف من محافظة لأخرى. ويترواح سعر لحم الخروف البلدي ما بين (25-30) ألف ل.س / كغ.

لذلك أصبح المواطن في وضع "لا أمن غذائي".. والمواطنون ذوو الدخل المحدود لا يستطيعون استهلاك اللحوم الحمراء والبيضاء بشكل عام.